من عائد مجز إلى خسارة مادية.. أصواف مواشي الكرك تبحث عن خطوط إنتاج
هشال العضايلة
الكرك – لوقت قريب، ما إن يحل شهر أيار (مايو) من كل عام، حتى تستيقظ مناطق محافظة الكرك على حراك استثنائي، إذ يعلن مربو الماشية والمزارعون في مختلف مناطق محافظة الكرك عن انطلاق موسم جز أصواف وشعر الأغنام والماعز، أو ما يُعرف محلياً بموسم "القصاص"، إذ كانت تجمع الماشية وسط أجواء احتفالية تصدح فيها الأغاني والأهازيج في طقس يستهدف التخفيف عن الحلال من حر الصيف اللاهب، وتحقيق أقصى استفادة من هذا المورد الوفير.
أما اليوم فقد تبدل المشهد تماما، وتحول هذا الطقس من عملية إنتاجية ذات عائد مجزٍ إلى خسارة مادية متراكمة ومصدر للقلق البيئي، لتظل أصواف الكرك تبحث عن خطوط إنتاج تنتشلها من الضياع.
من ركيزة للاكتفاء الذاتي إلى كساد الأسواق
في العقود الماضية، كان الصوف يمثل جزءاً أساسياً من احتياجات الأسر وعصب اقتصادها المنزلي، إذ كان الصوف يدخل في أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية لا سيما في طقوس الزواج وإعداد الفرش والبسط المنزلية وتجهيز مضافات العائلات لاستقبال الضيوف وفق المهندسة الزراعية كرم القسوس، موضحة أن غسل صوف العريس كان يعد طقسا اجتماعيا مميزا يجري على سيل "عين سارة" وعيون المياه الأخرى بالمحافظة، إضافة لاستخدام الشعر في إنتاج بيوت الشعر التي شكلت المنازل الأساسية للقرى والبدو الرحل.
وتشير إلى أن استخدام الصوف والشعر بإنتاج بيوت الشعر وهي المنازل الأساسية سابقا في البلدات والقرى بالمحافظة والآن لدى البدو الرحل، معتبرة أن إنتاج الصوف حاليا يشكل خسارة كبيرة على المربين والاقتصاد المحلي لأهميته.
وتوضح أن "هذه الأهمية البالغة جعلت من الصوف سلعة استراتيجية تُباع بأسعار مرتفعة تحقق عوائد مجزية للمربين، ألا أنه ومع تغير الأحوال ودخول البدائل الصناعية تراجع الاستخدام المنزلي والتقليدي للصوف"، مضيفة أن "ما زاد الطين بلة الظروف الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي نتج عنها إغلاق منافذ التصدير الحدودية، الأمر الذي جعل الصوف بلا ثمن وحوّله من مصدر دخل إلى عبء ثقيل يُرمى أحياناً في الخلاء لعدم وجود مشترين".
ويؤكد مربو ماشية أن استخدام الصوف الناتج من جز المواشي صيفا أصبح قليلا، وغالبا ما يتم بيعه بأسعار رخيصة للتجار الذين يقومون بتصديره إلى الأسواق المجاورة، خصوصا في الدول التي تملك معامل لإنتاج الصوف والغزل والنسيج، مشيرين إلى أنه ومع إغلاق منافذ التصدير أصبح الصوف بلا ثمن وبات يشكل عبئا على مربي الماشية، ويتم أحيانا رميه في الخلاء بسبب عدم الحاجة له.
ثروة ضخمة تلتهمها الوهاد والأودية
تضم محافظة الكرك ثروة حيوانية هائلة تُقدر بحوالي 450 ألف رأس ماشية، تنتج سنوياً ما يقارب 800 طن من الصوف والشعر، هذه الكمية الضخمة تمثل ثروة وطنية مهدورة كان يمكن أن ترفد الاقتصاد المحلي بملايين الدنانير لو استغلت عبر خطوط إنتاج ومعامل حقيقية.
يقول رئيس جمعية مربي الماشية بالكرك، زعل الكواليت، إن كميات كبيرة من الأصواف تهدر كل عام، بعدما كان للصوف قيمة كبيرة في المجتمع ويباع بأسعار كبيرة ويستفيد المربون منه، مضيفا أن تقديرات الإنتاج من الصوف بمحافظة الكرك تصل إلى حوالي 800 طن سنويا، وهي كمية كبيرة يتم رمي جزء كبير منها في الخلاء والأودية لعدم الاستفادة منها، ما يشكل خسارة كبيرة على المربين والاقتصاد الوطني باعتبارها ثروة تهدر.
وبيّن أن الخام من الصوف يباع الآن بسعر رخيص جدا، مشددا على أهمية أن يتم الاستفادة من صندوق التعويضات للبيئة بإنشاء محطات لجمع وغسل الصوف وكبسه للمزارعين وتصديره للخارج إذا لم يكن هناك مشاريع محلية لإنتاج الصوف، لافتا إلى أن إعادة الاعتبار لقطاع الأصواف في محافظة الكرك لم يعد ترفا بل ضرورة اقتصادية وبيئية ملحة، قائلا: "بين ثنايا الـ 800 طن من الصوف المهدور سنويا تكمن فرص عمل معطلة وثروات منسية وحلول بيئية مؤجلة، ويبقى السؤال معلقاً برسم الإجابة في أروقة وزارة الزراعة والجهات المعنية؛ متى يرى مصنع القطرانة النور ليعيد لموسم القصاص أهازيجه وقيمته الاقتصادية؟".
ويؤكد مربو ماشية أنهم الآن لا يستفيدون نهائيا من الصوف، وإن تم بيعه فهو يباع بثمن بخس، إذ لا يزيد سعر الكيلو الواحد عن 5 قروش مع إيصال البضاعة إلى المشتري، مشددين على ضرورة إيجاد السبل الكفيلة للحد من خسائرهم السنوية، مشيرين إلى أنهم يواجهون معادلة اقتصادية مقلوبة؛ إذ أصبحت كلفة "القصاص" وأجور العمال تفوق القيمة السوقية للمنتج نفسه.
ويطالب مربي الماشية عوض الحجايا بالاستفادة من الأصواف التي تنتَج بكميات كبيرة كل عام بالكرك التي تشكل حاليا خسارة كبيرة لمربيي الماشية والاقتصاد الوطني، موضحا أن التجار يقومون بشراء الصوف من المربين بسعر زهيد ولا يغطي كلف الجز خاصة أن معظم المربين يقومون بجز الصوف مقابل أجور مرتفعة، ما يتطلب توفير نمط لاستفادة المربين والمزارعين من الأصواف المُنتجة كل عام.
ويشاركه الرأي المربي أحمد المعايطه قائلا: "إن مربي الماشية، وبسبب تدني قيمة الصوف بالأسواق المحلية وحتى غياب القدرة على تسويقه وإيجاد مشترين، يقوم بالتخلص منه برميه في الأودية والبراري كل عام، ما يشكل مشكلة بيئية على المجتمع والبيئة المحلية بالمحافظة". مبينا أن بعض المربين يقومون بإيصال الصوف إلى مناطق تواجد بعض التجار الذين يستغلون المربين وحاجتهم إلى التخلص من الصوف بأية طريقة ودفعهم إلى نقله إليهم على نفقتهم الخاصة وبواسطة مركباتهم.
ويؤكد أحد تجار الأصواف، أحمد البستنجي، أن هناك تجار يقومون بشراء الصوف من المربين كل موسم، وبسعر يصل إلى حوالي 65 دينارا للطن الواحد واصلاً إلى منطقة التجميع، مشيرا إلى أن عملية شراء الصوف تتم في محافظة الكرك ومن بعض المناطق القريبة في البادية الجنوبية والوسطى ليتم لاحقا عملية تجميع الصوف وتنظيفه وكبسه وتصديره إلى الخارج خصوصا للدول الآسيوية التي تطلب الأصواف.
مصنع القطرانة المتعثر.. طوق النجاة المنتظر
تتجه أنظار المربين في المحافظة نحو لواء القطرانة، حيث أطلقت وزارة الزراعة قبل عامين بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مشروعا واعدا لإنشاء مجمع ومصنع لمعالجة وتصنيع الصوف المحلي.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع كطوق نجاة لقطاع الثروة الحيوانية، وتقليله للوقت والكلفة على المزارعين، إلا أن الفرحة لم تكتمل؛ إذ لم يتم استكمال المشروع حتى الآن.
وكانت وزارة الزراعة قد أطلقت قبل عامين مشروعا لإنشاء مجمع ومصنع الصوف في لواء القطرانة، وهو مشروع يشكل خطوة هامة لدعم قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة، إذ عملت وزارة الزراعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إنشاء هذا المصنع لمعالجة وتصنيع الصوف المحلي.
من جهته أكد مصدر مسؤول في وزارة الزراعة أن الوزارة حريصة على أن يتم تشغيل المصنع وفق أعلى المواصفات لضمان جودة المنتج النهائي وقدرته على المنافسة التصديرية.
وأضاف أن المشروع يهدف إلى الاستفادة الاقتصادية من الأصواف من خلال تجميع ومعالجة صوف الأغنام من البوادي الثلاث لتجهيزه لأغراض التصنيع والتصدير، وخدمة المزارعين وتوفير برامج تدريبية للعاملين في جز الصوف، مما يقلل الوقت والكلفة على مربي الأغنام، إضافة إلى توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة، وتوفير الحماية البيئية بهدف التخلص السليم من الصوف الذي كان يتلف في المناطق الصحراوية والأودية.
ــ الغد