في يوم عرفة.. قوافل الحجيج تتفيأ في ذاكرة الأردن دومًا على درب البيت العتيق
تعبق الذاكرة الأُردنية في يوم عرفة، بمسيرة النور التي تجسد رحلة الحج، أعظم ملحمة إيمانية عرفها التاريخ، فيما يبرز الأردن كمحطة تتفيأ بها قوافل الحجيج قادمة من أماكن متعددة.
وفي يوم عرفة يتشابك نداء السماء الخالد بأشواق القلوب الظامئة، لتتحد القوافل العابرة الفيافي والقفار في دروب من الطهر، تدوسها أقدام الساعين إلى مغفرة الله ورضوانه منذ بزوغ فجر البشرية وحتى اليوم.
ولا يختزل رئيس جمعية المؤرخين الأُردنيين الدكتور غالب عربيات، في حديثه لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، رحلة الحج الروحية بمجرد انتقال مادي في الجغرافيا، أو مناسك يؤديها المرء ثم يقفل عائداً إلى دياره، بل هي تحول وجداني عميق يبدأ في خلجات النفس قبل خطى الأقدام.
ويستحضر جذور هذه الحكاية الكبرى التي تعود إلى ذلك الزمن الموغل في القدم، حين وقف الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، في وادٍ غير ذي زرع، يرفع مع ابنه إسماعيل عليه السلام، قواعد الكعبة المشرفة، ليكون ذلك البيت العتيق أول بيت وُضع للناس، ومثابة وأمناً، ومهوى لأفئدة البشرية جمعاء.
ويفيض عربيات في وصفه الشجي قائلا إن هناك، وفي قلب تلك الصحراء القاحلة، تجلت معاني التوكل المطلق حين تركت هاجر طفلها وصارعت الرمال بحثاً عن أسباب الحياة، لتتفجر عين زمزم كرسالة رحمة إلهية أبدية، ويتحول السعي بين الصفا والمروة من مجرد ركض بين جبلين إلى رمز خالد للرجاء واليقين بموعود الله الذي لا يخلف الميعاد.
"ومع توالي القرون، ظل معظم العرب يعظمون هذا البيت الحرام ويحفظون مكانة الأشهر الحرم"، بحسب رئيس جمعية المؤرخين الذي استدرك موضحا أنه " على الرغم من أن شعائر الحنيفية الأولى قد اختلطت بمرور الزمن بأصنام الجاهلية وجهالاتها، إلا أن مكة المكرمة حافظت على مركزيتها كملتقى للأرواح والقوافل والأسواق".
وقد تشرفت قريش، وبنو هاشم على وجه الخصوص، بسقاية الحجيج ورفادتهم، معتبرين خدمة زوار بيت الله شرفاً يزيدون به عن كل شرف، ومسؤولية مقدسة يتوارثونها جيلاً بعد جيل، حتى جاء الإسلام العظيم ليعيد النور إلى رحاب البيت الحرام، ويطهر الكعبة المشرفة من ظلمات الوثنية، معلناً بلسان النبي محمد ﷺ أن الحج نداء خالص للتوحيد، وتجسيد لتقوى القلوب التي تعظم شعائر الله، وفقا لعربيات.
ويستشهد بأنه "في ذلك المشهد المهيب يوم فتح مكة، تهاوت الأصنام تحت ضربات الحق، ليعود الحج نقياً، خالصاً لوجه الله وحده، وتتوج هذه المسيرة الخالدة في حجة الوداع، حين وقف المصطفى ﷺ فوق صعيد عرفة الطاهر بين آلاف المسلمين، معلناً إكمال الدين وإتمام النعمة، ومؤكدًا مبادئ الأخوة الإنسانية والمساواة بين البشر، حيث لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".
وقال عربيات إن الوقوف بعرفة يُعدُّ ذروة سنام هذه الرحلة الروحية، فهو اليوم الذي تتعانق فيه الأرض بالسماء، ويتجرد فيه الإنسان من كل زينة دنيوية ومظاهر جاه زائفة، ليرتدي إحرامه الأبيض كأنه كفن يذكر بالوقوف بين يدي الله عز وجل.
وأضاف أن "هناك، في ذلك المشهد المهيب تحت شمس واحدة وسماء واحدة، تتحول الأرض إلى بحر متلاطم من الرجاء والتضرع، وتصبح الدموع لغة التائبين الخاشعين، حيث يباهي رب العزة ملائكته بأهل عرفات قادمين إليه شُعْثًا غُبْرًا، لتبدأ بعد ذلك فيضة الحجيج نحو مزدلفة ومنى، يحدوها الشوق وتدفعها التكبيرات التي ترج أركان الوادي المقدّس".
وعلى مر القرون نهض الأردن العربي بدور تاريخي بوصفه بوابة رئيسية وحصناً أميناً لدروب الحجيج المتوجهة نحو الديار المقدسة، وفق عربيات الذي أضاف أن البادية والصحراء الأردنية تحفظ في مفازاتها (صحرائها) وطيات أرضها أصوات الملبين، بينما تحنّ رمالها وأوديتها لآثار قوافل الحج الشامي القادمة من دمشق وأطراف بلاد الشام، والتي كانت تعبر المفرق والكرك ومعان والمدورة وصولاً إلى الحجاز.
وبين، أن مدينة معان الأردنية تشخصُ كعتبة وجدانية واقتصادية بالغة الأهمية؛ ففيها تتوقف القوافل طويلاً للتزود بالماء والطعام والاستراحة قبل خوض غمار الصحراء الكبرى، وكان أهل معان يستقبلون ضيوف الرحمن بالترحاب والكرم، ويقدمون لهم التمر والقهوة العربية والدعوات الصادقة بالتوفيق والقبول، مما جعل هذه المدينة أشبه ببرزخ روحي يشعر فيه الحاج بأنه قد اقترب من الأرض المباركة التي وطئتها أقدام النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم.
وتوثّقُ رحلة الحج العظيمة أنها لم تقتصر على المشاق البرية التقليدية، بل شهدت تحولاً تاريخياً كبيراً قبيل نهاية العهد العثماني بإنشاء سكة حديد الحجاز، التي ربطت دمشق بالمدينة المنورة عبر الأراضي الأردنية، بحسب عربيات.
وأكد عربيات، أن هذا المشروع الضخم لم يكن مجرد وسيلة نقل عادية أو إنجاز هندسي، بل كان جسراً روحياً معبداً بالشوق، يختصر زمن المعاناة ويحمي الحجاج من ويلات الطريق؛ حيث كانت القطارات تعبر المحطات الأردنية محملة بألوف المؤمنين الذين يصدحون بالتلبية.
وكان الأهالي يخرجون إلى المحطات في المفرق وعمان ومعان لاستقبال هذه القطارات والترحيب بركابها، في احتفالات شعبية بهيجة تمتزج فيها زغاريد الفرح بدموع الخشوع وأغصان الزيتون التي ترمز للسلام والأمان.
وأوضح أن الذاكرة الشعبية تختزنُ تفاصيل هذه الرحلات الإيمانية من خلال الأهازيج والأغاني التراثية التي كانت تقال في توديع الحجاج واستقبالهم، حيث كان الوداع يفيض بمشاعر الخوف من مشاق الطريق والشوق إلى رؤية الكعبة، بينما كان الاستقبال عرساً حقيقياً تحتفي به القرى والمدن الأردنية.
وأشار إلى أنه عند عودة القوافل، كان الناس يخرجون إلى مداخل المدن يحملون الرايات البيضاء، ويستقبلون العائدين بالترحاب والأحضان، ويتبركون بماء زمزم، الذي يحملونه معهم، بالإضافة إلى التمور والمسابح والعطور التي تفوح برائحة الحرمين الشريفين، لتنعكس السكينة والوقار على وجوه الحجاج الذين غسلت دموع التوبة ذنوبهم، وعادوا إلى ديارهم كمن ولدتهم أمهاتهم من جديد، مرددين بقلوب خاشعة "تائبون، عابدون، حامدون، لربنا ساجدون".
وينتهي عربيات إلى أن الحج يظل في جوهره، عودة الإنسان إلى فطرته الأولى، وتنقية للروح من شوائب المادة وصراعات الدنيا الفانية، ليتذكر الجميع أنهم من تراب وإلى تراب يعودون، وأن الرابط الحقيقي بين البشر هو رابط العقيدة والإنسانية، هذا هو الإسلام العظيم بقيمه الراسخة في نفوس المؤمنين.
وستبقى هذه الرحلة، مهما تبدلت وسائل السفر من قوافل الإبل إلى خوض عباب البحر إلى القطارات وصولاً إلى الطائرات الحديثة، محتفظة بقدسيتها وجاذبيتها الروحية التي لا تنطفئ. وسيبقى الأردن العربي الهاشمي، كما كان على مر التاريخ، الحارس الأمين والدرع الحصين لدروب الحجيج، يستقبل العابرين بكرم أهله الأصيل، ويوجههم نحو بيت الله الحرام آمنين مطمئنين، لتظل هذه الأرض الطيبة همزة الوصل المباركة بين أشواق المؤمنين وباحات المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف.
--(بترا) ب