انخفاض حبس المدين يقابله تزايد عدم السداد
سماح بيبرس
عمان – بعد مرور قرابة العام على بدء سريان المادة (22) من قانون التنفيذ المعدّل لعام 2022، تصاعدت الانتقادات حول مدى قدرة التعديلات على تحقيق توازن فعلي بين الاعتبارات الحقوقية والواقع الاقتصادي، في ظل تزايد شكاوى الدائنين من صعوبة تحصيل حقوقهم، مقابل تراجع الاعتماد على حبس المدين، كوسيلة ضغط لإلزامه بتنفيذ التزاماته المالية.
فالتعديلات التي دخلت حيّز التنفيذ في الـ25 حزيران (يونيو) العام الماضي جاءت أساسا استجابة لاعتبارات إنسانية وحقوقية، تنسجم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي ترفض تقييد حرية الإنسان بسبب العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، وتحديدا المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وذلك عبر الحد من اللجوء إلى حبس المدين واستبداله بأدوات تنفيذ مدنية بديلة، مثل الحجز والمنع من السفر والتسويات المالية.
لكن التطبيق العملي في الأشهر الماضية، كشف- وفق نواب وقانونيين- عن تحديات واسعة تتعلق بمدى فعالية هذه البدائل، وانعكاساتها على الثقة بالمعاملات التجارية والائتمانية.
وبرغم أن التعديلات، أسهمت بخفض أعداد قضايا حبس المدينين، وتخفيف الضغط على مراكز الإصلاح والتأهيل، فإن ذلك ترافق مع مؤشرات متزايدة على تنامي حالات التخلّف عن السداد، وتراكم القضايا المعلّقة أمام المحاكم دون تنفيذ فعلي، ما دفع نوابا وقانونيين للتحذير من انعكاسات سلبية على الحركة التجارية والبيع الآجل، والثقة بين المتعاملين في السوق.
وفي هذا السياق، أظهرت نتائج استطلاع حديث أجراه منتدى الإستراتيجيات الأردني، أن شريحة واسعة من المتعاملين باتت ترى بأن التعديلات أضعفت أدوات تحصيل الحقوق، ودفعت كثيرا من التجار وأصحاب الأعمال لتشديد شروط الائتمان، أو الحد من التعاملات الآجلة، خوفا من عدم استرداد أموالهم.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع، تراجعا في الثقة بالأوراق التجارية والعلاقات التعاقدية، في وقت اعتبر فيه مستجيبون أن مدينين باتوا يستفيدون من الاستثناءات القانونية المتعلقة بعدم الحبس، للتوقف عن السداد أو التهرّب من الالتزامات المالية.
وفي ظل هذا الواقع، تتجه المطالبات حاليا إلى إعادة تقييم قانون التنفيذ والبحث عن بدائل أكثر فاعلية تضمن حقوق الدائنين، ليس بالضرورة عبر العودة للتوسع في الحبس، وإنما عبر تطوير منظومة متكاملة من الأدوات المدنية والتنفيذية، مثل إنشاء منصات ائتمانية، وتوسيع الربط الإلكتروني بين الجهات القضائية والمالية، وتفعيل الحجز على الأموال والحسابات البنكية، وفرض قيود مدنية على المماطلين في السداد، بما يحقق التوازن بين حماية الكرامة الإنسانية والحفاظ على الثقة التعاقدية واستقرار النشاط الاقتصادي.
وكانت التعديلات التي أُدخلت على قانون التنفيذ، تضمنت تغييرات جوهرية في آلية التعامل مع الديون المدنية والتجارية، وأبرزها إلغاء عقوبة الحبس في جميع القضايا المالية الناتجة عن العقود المدنية والتجارية، بغض النظر عن قيمة الدين، ما يعني أن المدين لن يُسجن حتى وإن بلغت قيمة ديونه آلاف الدنانير، باستثناء حالتين فقط، هما الديون الناشئة عن عقود الإيجار، والديون الناتجة عن عقود العمل.
وفي ظل هذه التعديلات، أصبحت أدوات كالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمنع من السفر، وسائل أساسية تستخدم لتحصيل الحقوق المالية، وذلك ضمن إجراءات قضائية محددة. وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بحبس المدين، فقد حدّد القانون مدة الحبس بـ60 يوما سنويا عن كل دين، وبحد أقصى لا يتجاوز الـ90 يوما في السنة مهما تعددت الديون، في خطوة عكست تحولا جوهريا في الفلسفة العقابية المتعلقة بالمديونية المدنية.
وكان القانون قد منح فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات لتسوية الأوضاع المالية، بعد نشره في الجريدة الرسمية في منتصف العام 2022، على أن يبدأ سريان المادة المتعلقة بوقف حبس المدين في الـ25 حزيران (يونيو) العام الماض.
ونص قانون التنفيذ المعدّل في مادته (22)، على أنه "يحق للدائن حبس مدينه إذا لم يسدد الدين، أو لم يعرض تسوية تتناسب مع قدرته المالية خلال مدة الإخطار، شريطة ألا تقل الدفعة الأولى من التسوية عن 15 % من قيمة المبلغ المحكوم به". كما نصت على ألا تتجاوز مدة الحبس 60 يوما في السنة عن دين واحد، و120 يوما في حال تعدد الديون.
وتضمنت المادة (23) من القانون، حالات لا يجوز فيها حبس المدين، ومن بينها موظفو الدولة، ومن لا يكون مسؤولا بشخصه عن الدين، والقاصر، والمفلس، والمجنون، والمرأة الحامل، حتى مرور ثلاثة أشهر بعد الولادة، وأم الطفل حتى يبلغ العامين من عمره.
ووفقا للقانون، فإن طلب حبس المدين، يتطلب إثبات مقدرته على السداد، كما يتوجب على الدائن إخطار المدين لتسديد الدين أو تقديم تسوية مالية، تتناسب مع وضعه المالي، شريطة ألا تقل الدفعة الأولى عن 15 % من قيمة المبلغ المحكوم به. وفي حال عدم السداد أو عدم تقديم تسوية مناسبة خلال فترة الإخطار، يحق للدائن طلب الحبس ضمن الحالات التي يجيزها القانون.
كما لا يُحبس المدين إذا كان المبلغ المحكوم به أقل من 5 آلاف دينار، أو إذا كان المدين مفلسا أو معسرا، أو محجورا عليه للسفه أو الغفلة، أو إذا كان الدين موثقا بتأمين عيني. كذلك يمتنع الحبس إذا ترتب عليه ضرر اجتماعي بأفراد الأسرة، كعدم جواز حبس الزوجين معا، أو إذا كان أحدهما متوفيا ولديهما طفل يقل عمره عن 15 عاما أو من ذوي الإعاقة، إضافة إلى حالات المرض، أو إذا كان الدين بين الأزواج أو الأصول أو الفروع أو الإخوة، ما لم يكن متعلقا بالنفقة.
آثار سلبية
على الاقتصاد والتجارة
نائب رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب محمد زكي بني ملحم، أكد ضرورة إعادة النظر في عدة مواد من قانون التنفيذ المعدّل، مشيرا إلى أن التطبيق العملي الفترة الماضية، أظهر آثارا سلبية واضحة على الجانبين الاقتصادي والتجاري.
وأوضح بني ملحم، أن واقع المحاكم الحالي، يعكس وجود أعداد كبيرة من القضايا التي بقيت دون تنفيذ فعلي، بخاصة في ظل عدم قدرة عدد من المحكومين على السداد، ما أدى لبقاء هذه الملفات "على الرفوف" دون حسم، وأضعف من فعالية إجراءات التنفيذ.
واعتبر أن القانون لم يُدرس بالشكل الكافي قبل إقراره، لافتا إلى أن الرهان كان قائما على الوازع الديني والأخلاقي لدفع المدينين إلى الالتزام بالسداد بعد الحد من حبس المدين، لكن هذا الرهان لم يتحقق كما كان متوقعا، مؤكدا أن القانون لم يؤدِّ إلى النتائج المرجوة منه، بل أفرز نتائج سلبية لم تكن بالحسبان، تمثلت بتراجع التزام كثير من المدينين بالسداد.
وأضاف بني ملحم، أن انعكاسات القانون لم تتوقف عند العلاقة بين الدائن والمدين، وإنما امتدت إلى الحركة التجارية على نحو واضح، مبينا أن جزءا كبيرا من عمليات البيع والشراء في السوق الأردني كان يعتمد على نظام البيع الآجل، إلا أن حالة الثقة بين التجار تراجعت بصورة ملحوظة بعد التعديلات، نتيجة شعور كثير من الدائنين بعدم قدرتهم على تحصيل حقوقهم.
وأشار بني ملحم، إلى أن غياب أدوات تنفيذ فعالة أجبر كثيرا من التجار وأصحاب الأعمال على الحد من التعاملات الآجلة أو التشدد في منح التسهيلات، خوفا من عدم استرداد أموالهم، الأمر الذي انعكس على النشاط التجاري وحركة السوق بشكل عام.
وشدد على ضرورة إيجاد آليات أكثر فاعلية تضمن حماية حقوق الدائنين، وتمكّنهم من تحصيل مستحقاتهم ضمن إطار قانوني متوازن، مقترحا التوسع في تطبيق ما يُعرف بـ"الإعدام المدني"، أو اعتماد عقوبات وقيود مدنية بديلة بحق المتخلّف عن السداد، بما يحقق الردع، ويحافظ في الوقت ذاته على عدم التوسع في الحبس كوسيلة لمعالجة الديون المدنية.
الحد من حبس المدين
من جهته، قال نقيب المحامين الأسبق مازن إرشيدات، إنّ الهدف الذي قام عليه التوجه نحو الحد من حبس المدين، لم يتحقق عمليا على أرض الواقع، معتبرا بأن التأثيرات السلبية الناتجة عن تطبيق القانون كانت أكبر من النتائج الإيجابية التي كان يُعوّل عليها، بخاصة في ظل ازدياد حالات التخلّف عن سداد الديون.
وأوضح إرشيدات أن المشكلة الأساسية، تكمن في غياب أدوات قانونية فعّالة تُجبر المدين على السداد، خصوصا في الحالات التي لا تكون فيها الأصول أو الممتلكات مسجلة باسمه، وإنما بأسماء أبنائه أو أقاربه، ما يجعل إجراءات التنفيذ محدودة الأثر، ويضعف من قدرة الدائن على تحصيل حقه.
وأشار إرشيدات إلى أن انعكاسات القانون لم تقتصر على الجانب القانوني أو الاقتصادي فقط، بل امتدت إلى البعد الاجتماعي، محذرا من أن استمرار هذا الواقع، قد يؤدي إلى نزاعات مجتمعية "لا تُحمد عقباها"، نتيجة شعور شريحة واسعة من الدائنين بالعجز عن استرداد أموالهم.
وبيّن أن القانون أسهم بالفعل في تقليل أعداد النزلاء داخل السجون، إلا أن هذا الأثر الإيجابي، لم يكن خاليا من تداعيات أخرى، إذ أفرز التطبيق العملي زيادة في أعداد الموقوفين إداريا، إلى جانب بروز سلوكيات جديدة لدى بعض المدينين، تقوم على التهرّب من الالتزام بالسداد، مستفيدين من القيود التي فرضها القانون على الحبس.
وأكد أن الإشكالية لا ترتبط فقط بآلية التطبيق، وإنما تمتد إلى بنية النص القانوني نفسه، لافتا إلى أن المادة (22) ميّزت بين المدينين على أساس قيمة الدين، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.
وأضاف أن منح المدين الذي تقل ديونه عن خمسة آلاف دينار حماية من الحبس، مقابل إبقاء الحبس ممكنا لمن تزيد ديونه على ذلك، خلق تفاوتا قانونيا بين فئات المدينين، ما قد ينعكس على سلوك الأفراد ويؤثر على استقرار المعاملات المالية، مؤكدا أن قانون التنفيذ، يُعد من أكثر القوانين ارتباطا بالحياة الاقتصادية والاجتماعية نظرا لتأثيره المباشر على علاقات الدين والائتمان داخل المجتمع.
اعتبارات إنسانية واجتماعية
وكان منتدى الإستراتيجيات الأردني، أصدر مؤخرا ورقة موقف تناولت الأثر الاقتصادي والمالي لتعديلات قانون التنفيذ، المتعلقة بحبس المدين، مشيرا إلى أن هذه التعديلات جاءت انطلاقا من اعتبارات إنسانية واجتماعية، تهدف إلى صون الكرامة الإنسانية، إلا أن ذلك لا يمنع من تقييم انعكاساتها الاقتصادية على الأسواق والمعاملات التعاقدية.
وبيّنت ورقة الموقف، أن تحصيل الحقوق المالية كان يشكل تحديا قائما حتى قبل دخول التعديلات حيّز التنفيذ، وهو ما عكسته مؤشرات عدة، أبرزها ارتفاع متوسط قيمة الشيكات المعادة لأسباب مالية من نحو ألف دينار إلى قرابة 7400 دينار للشيك الواحد بين عامي 2002 و2024، بالإضافة لارتفاع الاعتماد على الاقتراض من المصادر غير الرسمية من 17.4 % في العام 2015 لـ38.3 % في العام 2024، مقابل تراجع الاقتراض من المصادر الرسمية من 14.5 % لـ12.7 % في الفترة نفسها.
واستعرض المنتدى، نتائج استطلاع رأي شمل 1752 مستجيبا من مختلف القطاعات الاقتصادية، أظهرت أن أكثر من 67 % يؤيدون إعادة حبس المدين، فيما رأى 18.6 % ضرورة الإبقاء على التعديلات مع اتخاذ تدابير فعالة مرافقة لها، مقابل 13.1 % فقط أيدوا استمرارها دون إجراءات إضافية. كما أظهرت النتائج أن 66 % من المشاركين واجهوا صعوبات بتحصيل ديونهم، فيما أفاد نحو 82 % بأنهم كانوا يعتمدون على حبس المدين – بشكل دائم أو أحيانا – كوسيلة لتحصيل الحقوق قبل التعديلات.
وأشار إلى أن ما يقارب 8 من كل 10 مستجيبين، أكدوا تراجع التزام المدينين بالسداد بعد بدء سريان التعديلات، بينما رأى 83.4 % أن تحصيل الحقوق أصبح أكثر صعوبة، واعتبر 74.7 % أن منع حبس المدين أسهم بزيادة حالات التوقف عن السداد، فيما أفاد 69.7 % بوجود حالات متكررة استند فيها المدينون إلى استثناء الحبس، كذريعة للتنصل من التزاماتهم المالية.
كما أظهرت النتائج تحولا واضحا في سلوك البيع الآجل، إذ تراجع الاعتماد عليه من 80 % قبل التعديلات إلى 27 % بعدها، مقابل ارتفاع نسبة من لا يعتمدون على البيع الآجل من 11.2 % إلى 40.6 %. كذلك أفاد 84.4 % من المشاركين بانخفاض الثقة بالأوراق التجارية بعد التعديلات، فيما أشار 80.6 % إلى تراجع الثقة بين المتعاملين، ورأى نحو ثلثي المستجيبين أن التعديلات ساهمت بزيادة حالات الركود، أو التأخير في إتمام المعاملات التجارية.
وبيّن المنتدى أن هذه النتائج تعكس اختلالا في التوازن بين حماية المدين وصون حقوق الدائن، مع ميل واضح لصالح المدين، بما في ذلك المدين المماطل، على حساب استقرار المعاملات التجارية والثقة في السوق. أما بشأن البدائل المقترحة، فقد اعتبر المستجيبون "أن إدراج المدين ضمن منصة ائتمانية" هو الخيار الأكثر فاعلية بنسبة 78.2 %، يليه "الحجز على الأموال أو الحسابات البنكية" بنسبة 76.2 %، ثم "تقييد الخدمات الحكومية الأساسية" بنسبة 75.2 %، فيما اعتُبرت خيارات "التسوية أو الإعسار" الأقل فاعلية.
وأوصت الورقة، بضرورة إعادة النظر في الإطار التشريعي الناظم لحبس المدين ضمن قانون التنفيذ، بما يحقق توازنا فعليا بين حماية المدين وضمان حقوق الدائن، إلى جانب تطوير الإطار القانوني المتعلق بالإعسار والتسوية وجدولة الديون، وتوفير مسارات واضحة للتعامل مع حالات التعثر الحقيقي، لا سيما لدى الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
كما أوصى المنتدى، بإعادة النظر في بعض الأدوات المرتبطة بالأوراق التجارية، وتعزيز التشريعات المساندة مثل: قانون التخصيم المالي، بما يسهم في حماية التعاملات التجارية وتوسيع نطاق البيع الآجل المنضبط.
وشدد على أهمية استحداث أدوات مدنية وتنفيذية فعالة ومستدامة، من أبرزها إنشاء منصة ائتمانية إلكترونية شاملة وميسّرة، وتوسيع قاعدة البيانات الائتمانية، وتخفيف بعض القيود الإجرائية المرتبطة بالحجز التحفظي، والسماح بتطوير قواعد بيانات متخصصة تدعم القرار الائتماني، إضافة إلى الإسراع في الربط الإلكتروني المباشر بين المحاكم ودوائر التنفيذ والجهات الحكومية والمالية ذات العلاقة، بما يضمن سرعة تنفيذ قرارات الحجز والإنفاذ.
كما أوصى بدراسة أدوات إضافية تعزز الثقة في التعاملات التجارية، كتطوير أوراق تجارية إلكترونية جديدة (سند السحب)، وتبنّي التأمين على الديون في بعض القطاعات، فضلا عن التوسع في التوعية بأهمية السجل الائتماني والأدوات القانونية المتاحة لتحصيل الحقوق.
وأكد المنتدى،على أن الوصول إلى إطار تشريعي وتنفيذي متوازن يتطلب التمييز بين المدين المتعثر بحسن نية والمدين المماطل، وربط شدة الإجراءات التنفيذية بسلوك المدين وقدرته الفعلية على السداد، بما يكفل حماية الكرامة الإنسانية من جهة، والحفاظ على الثقة التعاقدية من جهة أخرى، وكذلك على استقرار المعاملات، وتدفق الائتمان التجاري، واستمرارية النشاط الاقتصادي. ــ الغد