الأخبار

سمير حمدان ــ بوداست : أوروبا تعود إلى موسكو لا تقاربًا بل خوفًا من أن تُكتب النهاية دونها

سمير حمدان ــ بوداست : أوروبا تعود إلى موسكو لا تقاربًا بل خوفًا من أن تُكتب النهاية دونها
أخبارنا :  

* تتهيأ لسلامٍ ناقص… حتى لو كان على حساب أوكرانيا

أربع سنوات من القطيعة لم تكن مجرد موقف سياسي، بل كانت رهانًا على أن الضغط والعزل سيعيدان روسيا إلى حدود يمكن التحكم بها، لكن النتيجة جاءت معاكسة، الحرب لم تنته، وروسيا لم تنكسر، وأوروبا نفسها وجدت أنها الطرف الذي يدفع الكلفة لا الطرف الذي يحدد الاتجاه، اقتصاد يتآكل، وأمن يعيش على حافة التوتر، وسياسة تتشقق تحت ثقل الانقسام، وهنا لم يعد السؤال كيف تُهزم روسيا، بل كيف لا تُستبعد أوروبا.

هذا التحول لم يبدأ في بروكسل، بل في واشنطن، حين قررت إدارة دونالد ترامب فتح قنوات مباشرة مع فلاديمير بوتين، في خطوة لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي، بل إعلان صريح بأن إعادة ترتيب المشهد قد تتم خارج الإطار الأوروبي، وأن التحالف لم يعد ضمانة للمشاركة في القرار، بل إطار قابل للتجاوز، والمشكلة هنا ليست في القرار الأميركي بحد ذاته، بل في قابلية أوروبا لأن تُستبعد منه.

ومن هنا انكشفت هشاشة الافتراض الذي حكم السياسة الأوروبية طويلًا، أن القرب من واشنطن يعني الحضور في لحظة الحسم، لكن الواقع أظهر عكس ذلك، إذ يمكن أن تكون أوروبا جزءًا من الصراع وتموّله، ثم تجد نفسها خارجه، وهذا ليس تناقضًا، بل نتيجة مباشرة لاختلال ميزان التأثير.

أوروبا لم تخسر الحرب، لكنها بدأت تخسر موقعها فيها، ولذلك لا يبدو التحرك نحو موسكو تناقضًا، بل استدراكًا متأخرًا، لأن القطيعة لم تُضعف روسيا كما كان متوقعًا، بل دفعتها لإعادة بناء توازناتها خارج الغرب، بينما بقيت أوروبا داخل معادلة مغلقة، حرب بلا حسم، وكلفة بلا سقف، واعتماد أمني مستمر على حلف شمال الأطلسي، في وقت بدأت فيه الثقة بهذا الاعتماد تتآكل.

في هذا السياق، تشير تحليلات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الحرب دخلت مرحلة جمود استراتيجي، حيث لم يعد الحسم العسكري ممكنًا، ما يدفع الأطراف إلى فتح قنوات سياسية موازية، ليس لإنهاء الحرب، بل لإدارتها، وهو ما يفسر المفارقة القائمة، تصعيد في الميدان، وتفاوض في الخلفية.

وفي هذا الإطار، لم يعد النقاش الأوروبي محصورًا في كيفية دعم أوكرانيا، بل بدأ يقترب من مناطق كانت تُعد سابقًا محرّمة، إذ تتزايد الإشارات إلى استعداد بعض العواصم للضغط باتجاه تسوية تقوم على تنازلات إقليمية، ليس اقتناعًا بعدالتها، بل إدراكًا بأن استمرار الحرب بلا أفق قد يكون أكثر كلفة من إنهائها بشروط ناقصة، وهو تحول لا يعكس تغيرًا في المبادئ بقدر ما يكشف حدود القدرة على الاستمرار.

وبالتوازي، تشير تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن التحولات في الموقف الأميركي لا تضعف موقع أوروبا فقط، بل تكشف حدود قدرتها على التأثير، لأن تغيّر أولويات واشنطن قد يترك القارة أمام واقع أمني لا تتحكم به، وهو ما يدفعها إلى إعادة تموضع متأخرة، لا لصناعة الحل، بل لتفادي الغياب عنه.

لكن الأهم أن هذا التحول لا يتعلق بروسيا بقدر ما يتعلق بالولايات المتحدة نفسها، لأن أوروبا بدأت تدرك أن السياسة الأميركية لم تعد تُدار بمنطق التحالف طويل الأمد، بل بمنطق المصلحة السريعة، حيث يمكن للقرارات أن تتغير، وللأولويات أن تُعاد صياغتها، من دون اعتبار حقيقي لتوازنات الحلفاء.

ومن هنا تبدأ أوروبا مراجعة قاسية، ليس لموقفها من الحرب فقط، بل لفهمها لمكانها في العالم، لأن القارة التي بنت أمنها على المظلة الأميركية، تجد نفسها أمام واقع مختلف، حيث لا يمكن ضمان الاستقرار بالاعتماد على طرف واحد، ولا يمكن خوض صراع بهذا الحجم من موقع التبعية.

لهذا يعود الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي، لكن المفارقة أن أوروبا تحاول تحقيقه باستخدام الأدوات نفسها التي كرّست تبعيتها، وهذا ما يجعل حركتها مترددة ومليئة بالتناقضات، فهي تبحث عن استقلال لا تملك شروطه بعد، وتدافع عن دور لم تعد تضمنه.

ومع ذلك، فإن ما يحدث اليوم ليس تعديلًا في السياسة، بل تحولًا في فهمها، لأن أوروبا لم تعد تتعامل مع الحرب كحدث يمكن إنهاؤه، بل كواقع يجب التكيف معه، حيث لم تعد القوة وسيلة للحسم، بل أداة لإدارة الصراع.

وفي عالم كهذا، لا تُقاس القوة بما تملكه الدول، بل بقدرتها على البقاء داخل لحظة القرار، وهذا بالضبط ما يفسر التحرك الأوروبي نحو موسكو، ليس بحثًا عن تقارب، بل خوفًا من الغياب، لأن الغياب في لحظات إعادة تشكيل النظام الدولي لا يعني الحياد، بل يعني أن الآخرين سيكتبون القصة.

في النهاية، المشكلة لم تعد أن أوروبا قد تُستبعد من النهاية،
بل أنها قد تصل إليها… بعد أن يكون كل شيء قد تقرر.


مواضيع قد تهمك