د. عبد الله محمد القضاة : فلسطين قضية الهاشميين كابراً عن كابر: مئة عام من الوصاية والتضحية والجهاد الدبلوماسي
في تاريخ الأمم والشعوب، ثمة قضايا تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا لتصبح جزءاً من الهوية الوجودية والإرث العقدي. وبالنسبة للهاشميين، لم تكن فلسطين يوماً مجرد ملف دبلوماسي أو قضية حدود، بل هي "قضية الهاشميين كابراً عن كابر"؛ التزام ديني، وواجب قومي، وإرث مقدس لا يقبل المساومة أو التخلي. من مكة المكرمة إلى القدس الشريف، يمتد حبل الوصل الهاشمي ليؤكد أن فلسطين هي بوصلة الأمة وتاجها، وأن الأردن بقيادته الهاشمية هو خط الدفاع الأول والأصلب عنها.
الجذور التاريخية: بيعة القدس وإعمار الشريف حسين
بدأت الحكاية الهاشمية مع القدس منذ فجر النهضة العربية الكبرى، حين أدرك الشريف الحسين بن علي أن الدفاع عن المقدسات هو جوهر الرسالة الهاشمية. في عام 1924، حين تعرض المسجد الأقصى وقبة الصخرة لخطر الانهيار، بادر أهل القدس ببيعة الشريف الحسين وصياً على المقدسات، فكان "الإعمار الهاشمي الأول" الذي تبرع فيه الشريف بـ 38 ألف ليرة ذهبية من ماله الخاص. لم تكن تلك مجرد تبرعات، بل كانت إعلاناً للعالم أن القدس في حماية الهاشميين، وهو العهد الذي حمله الشريف معه حتى وفاته، حيث أوصى بأن يُدفن في رحاب المسجد الأقصى، ليبقى جسده حارساً لمقدساتها.
الملك المؤسس والملك الباني: شهادة ودفاع مستمر
سار الملك عبدالله الأول "المؤسس"على خطى والده، فخاض الجيش العربي تحت قيادته معارك الشرف عام 1948 على أسوار القدس وفي اللطرون وباب الواد، مانعاً سقوط القدس القديمة ومقدساتها. وتوج الملك المؤسس حياته بشهادة حقيقية على عتبات المسجد الأقصى عام 1951، ليختلط دمه بتراب القدس الذي أحبه .
ثم جاء الملك الحسين بن طلال "الباني"، ليجعل من القدس درة التاج الهاشمي، فكان الإعمار الهاشمي الثاني والثالث، وترميم قبة الصخرة بالذهب، وإعادة بناء منبر صلاح الدين. وفي أصعب الظروف السياسية، انتزع الملك الحسين اعترافاً دولياً بالدور التاريخي الخاص للأردن في المقدسات، لتبقى الوصاية الهاشمية صمام الأمان في وجه محاولات التهويد.
الوصاية الهاشمية: إلتزام ديني وعروبي لاينفصم
إن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست مجرد""دور وظيفي"، بل هي أمانة شرعية وتاريخية تستند إلى شرعية السلالة النبوية. هي التزام يضمن الحفاظ على "الستاتيكو" التاريخي والقانوني للمقدسات، وحماية الهوية العربية للمدينة. الملك عبدالله الثاني، صاحب الوصاية، يحمل هذه الأمانة في كل المحافل الدولية، مؤكداً أن القدس "خط أحمر"، وأن المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف، بكامل مساحته البالغة 144 دونماً، هو مكان عبادة خالص للمسلمين.
تضحيات الجيش العربي: دماء سقت تراب فلسطين
لا يمكن ذكر الدور الهاشمي دون استحضار بطولات الجيش العربي الأردني. فمنذ عام 1948 وحتى اليوم، قدم الجيش العربي آلاف الشهداء الذين روت دماؤهم تلال القدس واللطرون وجنين ونابلس. وفي معركة الكرامة عام 1968، أعاد الجيش العربي للأمة كرامتها، محطماً أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، ومثبتاً أن الأردن وفلسطين هما وحدة واحدة في خندق الدفاع عن الحق العربي.
الملك عبدالله الثاني: الجهاد الدبلوماسي في زمن الحرب
في ظل العدوان الغاشم على غزة، يقود جلالة الملك عبدالله الثاني ما يمكن وصفه بـ "الجهاد الدبلوماسي" المكثف. لقد جاب جلالته عواصم القرار العالمي، من واشنطن إلى لندن وباريس وبرلين، حاملاً صوت الحق الفلسطيني، ومحذراً من أن المنطقة لن تنعم بالاستقرار دون حل عادل وشامل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .
لقد نجحت الدبلوماسية الأردنية في تغيير السردية الدولية تجاه الحرب، وفضح الانتهاكات الإنسانية، والتأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار الفوري والمستدام.
الدور الإنساني : الأردن رئة فلسطين ورسول إغاثتها
لم يكتفِ الأردن بالدور السياسي، بل كان الرئة التي يتنفس منها الأهل في فلسطين وغزة. بتوجيهات ملكية مباشرة، قاد الأردن عمليات "الإنزال الجوي” للمساعدات الطبية والغذائية في غزة، في سابقة دولية كسرت الحصار المفروض. وشارك جلالة الملك وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني شخصياً في الإشراف على هذه العمليات.
كما استمرت المستشفيات الميدانية الأردنية في غزة ونابلس وجنين بتقديم خدماتها تحت القصف، مجسدة أسمى معاني الأخوة. ولي العهد، الأمير الحسين، الذي أشرف على تجهيز وإرسال المستشفى الميداني الثاني لجنوب غزة، يمثل جيل الهاشميين الجديد الذي يحمل الراية بذات العزم والإيمان بأن فلسطين هي قضيتنا المركزية الأولى .
عهد الوفاء ومستقبل الضمود
إن موقف الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني هو موقف "قائد الأمة" الذي يدرك أن قدر الأردن والهاشميين مرتبط عضوياً بفلسطين. لا يستطيع الهاشميون التخلي عن فلسطين لأنها جزء من رسالتهم، ولا يستطيع الأردن التخلي عن دوره لأنه يدرك أن قوة فلسطين من قوة الأردن، وعزتها من عزته.
سيبقى الهاشميون، كابراً عن كابر، حراس القدس وحملة لواء الحق الفلسطيني، وسيبقى الأردن السند والظهير، حتى ينال الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة على ترابه الوطني.
* أمين عام وزارة سابقا.