استبانات قياس رضا الطلبة.. كيف تنهض بالعملية التعليمية؟
آلاء مظهر
عمان - في وقت عممت فيه وزارة التربية والتعليم مؤخرا استبانة لقياس رضا متلقي الخدمة (الطلبة) على مديريات التربية والتعليم، لتحسين جودة الخدمات المقدمة، يبرز تساؤل جوهري: إلى أي مدى تعكس هذه الدراسات الواقع الفعلي لاحتياجات الطلبة في البيئة التعليمية، وتنجح في تقديم مؤشرات دقيقة يمكن البناء عليها لتطوير السياسات التعليمية وتحسين جودة الخدمات؟
خبراء في التربية، بينوا في أحاديث منفصلة لـ"الغد"، أن هذه الاستبانات تمثل أداة محورية في تطوير الخدمات التعليمية، باعتبار أن الطالب هو متلقي الخدمة الأساسي، والأقدر على التعبير عن احتياجاته الفعلية في البيئة التعليمية، كما أنها أداة إيجابية واعدة، كونها تفتح قناة مؤسسية منظمة بين الطلبة وصنّاع القرار، وتمنح الوزارة فهما أعمق لتجربة الطلبة، سواء من حيث جودة التعليم، أو عدالة المعاملة، أو ملاءمة البيئة المدرسية، أو فاعلية الخدمات التعليمية المساندة.
وأكدوا أن هذا النوع من الاستبانات ليس جديدا، بل هو توجه مستمر تنتهجه الوزارة منذ سنوات، مشيرين إلى أن أهميتها لا تقتصر على قياس مستوى الرضا، بل تمتد لتوفير قاعدة بيانات تسهم في فهم الواقع التعليمي واحتياجات الطلبة بدقة، ما ينعكس على تطوير خطط الوزارة.
وأوضحوا بأن القيمة الحقيقية للاستبانات لا تكمن في قياس الرضا بحد ذاته، بل في كيفية توظيف نتائجها، بحيث تتحول لأداة عملية توجه السياسات التعليمية، وهذا النهج يعزز من التخطيط التعليمي القائم على استشراف المستقبل، بربطه مع الاحتياجات الحقيقية للطلبة، مؤكدين أن الاستماع لصوت الطالب وتحليله علميا، مدخل أساسي لتحسين جودة التعليم وضمان فاعلية مخرجاته.
الرضا جزء من مؤشر الأثر
الناطق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم محمود حياصات قال "إن الوزارة تقيس سنويا درجة رضا الطلبة عما يقدم لهم من خدمات"، مشيرا إلى أن نسبة الرضا جزء من مؤشر الأثر "مستوى الرضا عن المنظومة التعليمية" المعتمد من رئاسة الوزراء ضمن رؤية التحديث الاقتصادي.
وأضاف حياصات في تصريح لـ"الغد"، أن الدراسة تهدف للتعرف على درجة رضا الطلبة عن الخدمات، ورصد الفروق في مستويات الرضا تبعا لمتغيرات تشمل: جنس الطالب، وجنس المدرسة، والمرحلة الدراسية، والصف، وملكية المدرسة، ونوعها، وعدد الطلبة في الصف، وفترة الدوام، وجنسية الطالب، مبينا أن أهمية الدراسة تكمن في سعيها لتقصي مستوى رضا الطلبة، ودعم القيادات التربوية بتوظيف نتائجها بما يسهم في تحقيق مستويات أعلى من الرضا عند الطلبة.
وأوضح أن نتائج قياس رضا الطلبة أظهرت تحسنا خلال سنوات، إذ بلغت نسبته 72.2 % في العام الدراسي 2022/2023، وارتفعت إلى 77.33 % في العام 2023/2024، وسجلت %76.2 في العام 2024/2025، مشيرا إلى أن مجالات الاستبانة تشمل: التدريس، والإدارة المدرسية، والبيئة المدرسية، وتكنولوجيا التعليم، والتدخلات العلاجية، بما يتيح تقييما شاملا للعملية التعليمية.
الطالب بوصفه
شريكا بتقييم تجربته
أكد الخبير فيصل تايه أن قياس درجة الرضا إجراء معمول به في الوزارة منذ سنوات، وهو يعكس تحولا نوعيا في فلسفة إدارة النظام التربوي؛ إذ ينقل مركز الاهتمام من مقدم الخدمة إلى متلقيها، ويمنح الطالب دورا أكثر فاعلية بوصفه شريكا في تقييم التجربة التعليمية، وليس مجرد متلقٍ لها، موضحا أن الإشكالية لا تكمن في أهمية هذا التوجه، بل في مدى قدرة استبانات الرضا على عكس الواقع الحقيقي لاحتياجات الطلبة، وهذا يرتبط بطبيعة الأداة ومنهجية بنائها والسياق الذي تُفسَّر فيه النتائج.
وبيّن تايه أن الاستبانات تعكس جانبا مهما يتمثل في "الإدراك الذاتي" للطالب تجاه الخدمات التعليمية، لكن ذلك يتأثر بعوامل كالعمر، ومستوى الوعي، والتوقعات، والحالة النفسية، ما يجعلها مؤشرا مهما إلى تجربة الطالب الشعورية، لكنها غير كافية وحدها للحكم على جودة التعليم أو كفاءة النظام التربوي؛ فالطالب قد يشعر بالرضا في بيئة تعليمية منخفضة التحدي، وقد يشعر بعدمه في بيئة ذات جودة عالية لكنها تتطلب جهدا أكبر، ما يستدعي قراءة النتائج بحذر علمي.
وأكد أن القيمة الحقيقية للاستبانات تتحقق عند دمجها بمنظومة تقييم شاملة، تجمع بين الرضا ونتائج التعلم ومؤشرات الأداء المدرسي، بما يتيح قراءة أكثر دقة وموضوعية للواقع التربوي، ويمنع الاعتماد على مؤشر واحد قد يكون مضللا إذا عُزل عن سياقه.
وأشار إلى ضرورة تطوير الاستبانات، لتنتقل من قياس الجوانب الشكلية إلى قياس جودة التجربة التعليمية العميقة، بحيث تشمل أسئلة تتعلق بقدرة المعلم على تبسيط المفاهيم وتحفيز التفكير، ومستوى التفاعل في الصف، وشعور الطالب بالأمان النفسي، وارتباط ما يتعلمه بحياته اليومية، ومدى إسهام المدرسة في بناء مستقبله، ومؤشرات العدالة التعليمية، وتكافؤ الفرص والدعم المقدم للفئات الأكثر احتياجا.
ولفت تايه إلى أن ضمان دقة النتائج يتطلب التزاما علميا صارما من حيث وضوح الأسئلة وحيادها، وضمان سرية الإجابات، واعتماد عينات ممثلة، وعدم الاكتفاء بالأدوات الكمية فقط، بل دعمها بأدوات نوعية كالمقابلات والملاحظات الصفية وتحليل سلوك الطلبة، بما يضمن صورة أشمل وأعمق للواقع التعليمي.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توظيف البيانات، فكثير من الأنظمة تنجح في القياس لكنها لا تنجح في التحسين، مشددا على أن استبانات الرضا لن تحقق أثرها الفعلي ما لم تُترجم نتائجها إلى سياسات تطويرية، تمس أداء المعلمين والبيئة المدرسية وأساليب التدريس والتقويم، لتتحول إلى أداة استراتيجية فاعلة في تحسين جودة التعليم.
خطوة متقدمة
في مسار التطوير
وقال الخبير محمد الصمادي إن توجه الوزارة لقياس درجة رضا الطلبة خطوة متقدمة في مسار تطوير التعليم؛ لما يعكسه من انتقال واضح من إدارة التعليم بالانطباعات العامة إلى إدارة تستند إلى البيانات وصوت المستفيد المباشر، موضحا أن الطالب أصبح شريكا فاعلا في تشخيص واقع المدرسة، وتحديد جوانب القوة، ورصد فرص التحسين التي تمس تجربته اليومية في الصف والمرافق المدرسية.
وبيّن الصمادي أن استبانات الرضا أداة إيجابية واعدة؛ كونها تفتح قناة مؤسسية منظمة بين الطلبة وصنّاع القرار، وتمنح الوزارة فهما أعمق لتجربتهم، سواء من حيث جودة التعليم، أو عدالة المعاملة، أو ملاءمة البيئة المدرسية، أو فاعلية الخدمات التعليمية المساندة، مضيفا أن شمول الاستبانة لعدة محاور كالتدريس، والإدارة المدرسية، والبيئة المدرسية، وتكنولوجيا التعليم، والتدخلات العلاجية، يعكس فهما حديثا للعملية التعليمية بوصفها منظومة متكاملة.
وأشار إلى أن تضمين بنود تتعلق بمراعاة الفروق الفردية وذوي الإعاقة والأمن والسلامة يمنح الأداة بعدا إنسانيا وتربويا مهما؛ إذ لا تقتصر على قياس الرضا، بل تلتفت أيضا للفئات التي تحتاج لدعم إضافي، لافتا إلى أن اتساع عينة الدراسة وتنوعها لتشمل أعدادا كبيرة من الطلبة في المديريات والمراحل الدراسية يعزز من القيمة التخطيطية لنتائجها، ويتيح قراءة دقيقة للفروقات والاتجاهات العامة في النظام التعليمي.
وأكد الصمادي أن هذه الدراسات قادرة إلى حد كبير على عكس الواقع الفعلي لاحتياجات الطلبة، بخاصة إذا طُبقت في بيئة تضمن السرية والحياد، وتمنح الطلبة حرية التعبير بعيدا عن أي ضغوط، لافتا إلى أن صوت الطالب -عند جمعه وتحليله بطريقة علمية- يتحول إلى مؤشر تربوي موثوق يمكن البناء عليه في تحسين جودة الخدمات.
وشدد على أن القيمة الحقيقية للاستبانات لا تكمن في قياس الرضا فحسب، بل في كيفية توظيف نتائجها، بحيث تتحول إلى أداة توجيه للسياسات التعليمية.
فالمؤشرات المرتفعة تكشف عن ممارسات ناجحة تستحق التعميم، فيما تمثل المؤشرات المنخفضة فرصا حقيقية للتحسين، عبر تحديد الأولويات في البنية التحتية، وتدريب المعلمين، وتعزيز الإرشاد المدرسي، وتطوير استخدام التكنولوجيا.
وقال الصمادي إن تعزيز فاعلية هذه الدراسات، يتطلب تطوير أدوات القياس باستمرار، وإدراج أسئلة نوعية تتيح للطلبة التعبير عن آرائهم بعمق، وربط نتائج الرضا بمؤشرات أخرى كالتحصيل الدراسي، والغياب، والانضباط، والتقارير الإشرافية، داعيا لبناء أنظمة متابعة تضمن تحويل النتائج إلى خطط تحسين قابلة للتنفيذ، وتفعيل التغذية الراجعة، بحيث يلمس الطلبة أثر مشاركتهم في تطوير بيئتهم التعليمية.
نهج تشاركي
في الإدارة التربوية
الخبير عايش النوايسة بين أن هذه الاستبانات أداة محورية لتطوير الخدمات التعليمية، باعتبار أن الطالب هو متلقي الخدمة الأساسي، والأقدر على التعبير عن احتياجاته الفعلية في البيئة التعليمية، موضحا أن تركيز الوزارة على قياس الرضا عند الطلبة يعكس تبنيها لنهج تشاركي في الإدارة التربوية، يقوم على إشراك المستفيدين في تقييم جودة الخدمات، والوقوف على تطلعاتهم المستقبلية.
وبين النوايسة أن هذه الدراسات ليست جديدة، بل تمثل توجها مستمرا تنتهجه الوزارة منذ سنوات، وتُدار عبر جهات مختصة في البحث والتطوير التربوي، ضمن إدارة التخطيط والبحث التربوي، وبإشراف خبراء في القياس والتقييم، ما يعزز من موثوقية نتائجها، مضيفا أن الالتزام بالمعايير العلمية، كالصدق والثبات، وبناء أدوات قياس دقيقة، واختيار عينات ممثلة بطرق علمية، يضمن الوصول إلى بيانات كمية ونوعية ذات مصداقية عالية.
وأشار النوايسة إلى أن أهمية هذه الدراسات لا تقتصر على قياس مستوى الرضا، بل تمتد لتوفير قاعدة بيانات تسهم في فهم الواقع التعليمي واحتياجات الطلبة بدقة، ما ينعكس على تطوير الخطط الإستراتيجية والتنفيذية بالوزارة، لافتا إلى أن نتائجها تُستخدم لدعم صناع القرار، وتزويد مطوري المناهج وواضعي السياسات التعليمية بمؤشرات تساعدهم في تعزيز نقاط القوة ومعالجة جوانب الضعف.
وشدد على أن هذا النهج يرتقي بالتخطيط التعليمي القائم على استشراف المستقبل، وربطه بالاحتياجات الحقيقية للطلبة، مؤكدا أن الاستماع لصوت الطالب وتحليله علميا مدخل أساسي لتحسين جودة التعليم وضمان فاعلية مخرجاته.
ــ الغد