د. مهند النسور : في الأسبوع العالمي للتحصين… إقليم شرق المتوسط بين التحديات والإنجاز
نحتفي كل عام بالأسبوع العالمي للتحصين، عرفانا منا بفضل اللقاحات في إنقاذ الأرواح وصون الصحة العامة، وبالتالي بناء مجتمعات أكثر قوة واستقرارا. إذ تشير التقارير إلى أن اللقاحات قد أنقذت ما يزيد عن 150 مليون حياة خلال الخمسين عاما الأخيرة وحدها، كما أسهمت في رفع فرص نجاة الرضع وبقائهم على قيد الحياة بنسبة 40%، ما يجعلها واحدة من أعظم إنجازات البشرية على الإطلاق. وتزداد أهمية اللقاحات في إقليم شرق المتوسط، الذي يعاني أصلا من أزمات إنسانية وسياسية متكررة وواسعة النطاق، تتشابك في الوقت ذاته مع تحديات صحية معقدة، وأنظمة صحية هشة، فتصبح اللقاحات هي خط الدفاع الوحيد والأكثر تأثيرا في حماية الأجيال القادمة.
ورغم التعقيدات التي يشهدها الإقليم، فقد تحققت إنجازات لافتة في مجال التحصين. حيث شهدت معدلات التغطية تحسنًا ملموسًا، مدفوعة بالتزام الحكومات، وبدعم شركاء دوليين مثل منظمة الصحة العالمية والتحالف العالمي للقاحات والتحصين، حتى في ظل النزاعات وضعف البنية التحتية في بعض الدول.
وتتجلى قصة النجاح هذه في نماذج متعددة تعكس القدرة على التكيّف والابتكار. فقد حافظ الأردن على معدلات تغطية مرتفعة رغم تحديات اللجوء وضغط الموارد. أما السعودية، فقد عززت استخدام الحلول الرقمية لضمان كفاءة التتبع والوصول. وفي المغرب، يواصل البرنامج الوطني للتمنيع تعزيز جهوده لضمان حماية صحية مثلى للسكان، من خلال توفير اللقاحات مجانًا وتأمين استمراريتها. وفي مصر، شهدت الجهود زخمًا متزايدًا في حملات التوعية والتحصين، إلى جانب تعزيز القدرات في تصنيع وتصدير اللقاحات. كما شهد العراق تحسنًا تدريجيًا في التغطية عبر حملات مكثفة وجهود ميدانية متواصلة.
وفي الدول التي تواجه تحديات مركبة، تبرز نماذج ملهمة للصمود والابتكار؛ ففي السودان والصومال، أظهرت الفرق المتنقلة قدرة استثنائية على الوصول إلى المجتمعات الأكثر هشاشة. وفي سياق متصل، تواصل باكستان وأفغانستان جهوداً حثيثة للقضاء على شلل الأطفال، حيث أطلقت أفغانستان حملة وطنية في أبريل 2026 استهدفت نحو 12.6 مليون طفل، بالتزامن مع حملة مماثلة في باكستان شملت أكثر من 45 مليون طفل. وقد آتت هذه الجهود ثمارها بوضوح؛ حيث نجحت باكستان في تقليص رقعة انتشار الفيروس من 82 منطقة عام 2025 إلى 23 منطقة فقط في 2026، في تجسيد حي للإصرار والعمل الميداني طويل النفس.
ورغم هذا التقدم، تبقى التحديات قائمة. فالحفاظ على هذه المكتسبات يتطلب تعزيز ثقة المجتمعات باللقاحات، والتصدي للمعلومات المضللة، وتحسين سلاسل الإمداد، وضمان العدالة في الوصول، لا سيما في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات.
في هذا الأسبوع العالمي، لا نحتفي فقط بما تحقق، بل نعيد التأكيد على أن مستقبل التحصين في الإقليم يرتبط بدمجه ضمن رؤية أوسع لتقوية النظم الصحية، خاصة الرعاية الصحية الأولية، باعتبارها حجر الأساس للاستدامة.
ففي إقليم تتعاظم فيه التحديات، تظل اللقاحات قصة نجاح متجددة… وإرادة لا تنكسر للحياة