الأخبار

م . سعيد بهاء المصري : السعودية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط: من ممرات التجارة إلى هندسة النفوذ

م . سعيد بهاء المصري : السعودية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط: من ممرات التجارة إلى هندسة النفوذ
أخبارنا :  

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد تحولات اقتصادية أو مشاريع بنية تحتية معزولة، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي، وربما الدولي. فالممرات اللوجستية التي يجري الحديث عنها اليوم لم تعد أدوات لتحسين التجارة فقط، بل تحولت إلى أدوات نفوذ، وإلى لغة جديدة تُكتب بها خرائط القوة.

في هذا السياق، تأتي المبادرة السعودية لتطوير منظومة متكاملة من الممرات اللوجستية كإحدى أبرز الإشارات على دخول المنطقة مرحلة إعادة هندسة الجغرافيا السياسية عبر الاقتصاد. فالعالم الذي يتشكل اليوم لم يعد قائماً على السيطرة العسكرية المباشرة فقط، بل على القدرة على التحكم في تدفقات الطاقة والتجارة والبيانات. ومن ينجح في تصميم هذه التدفقات، يملك عملياً مفاتيح التأثير في النظام العالمي.

من هنا، يمكن فهم التحرك السعودي باعتباره استجابة استراتيجية مزدوجة: من جهة، تعزيز الموقع الاقتصادي للمملكة ضمن رؤية 2030، ومن جهة أخرى، التكيف مع بيئة دولية مضطربة تتزايد فيها المخاطر على سلاسل الإمداد التقليدية، خصوصاً مع تصاعد التوترات في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب.

لكن التحول الأعمق لا يكمن في البنية التحتية بحد ذاتها، بل في فلسفة التصميم. فبدلاً من الاعتماد على ممر واحد يربط بين نقطتين، تتجه السعودية إلى بناء شبكة متعددة المسارات، تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، ومنه إلى المتوسط، مع امتدادات نحو الشمال باتجاه العراق وبلاد الشام.

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى الممرات اللوجستية – سواء كانت سككية أو طرقاً سريعة حديثة – باعتبارها مجرد أدوات لنقل البضائع، بل كمنصات تأسيسية لإعادة هيكلة الاقتصاد الإقليمي بأكمله. فالتوجه نحو إنشاء شبكة متكاملة من السكك الحديدية عالية الكفاءة، إلى جانب طرق برية حديثة، يهدف إلى خفض كلف النقل وزمنه بشكل جذري، وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، وتهيئة البنية التحتية اللازمة لانطلاق استثمارات متعددة القطاعات على طول هذه الممرات.

فالممر السككي لا يقتصر على نقل الحاويات، بل يشكل العمود الفقري لإنشاء مناطق اقتصادية خطية تمتد على مساره، حيث يمكن إقامة مشاريع الطاقة النظيفة، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، ومشتقاته القابلة للنقل مثل الأمونيا الخضراء، إلى جانب إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل كوابل الطاقة الكهربائية عالية الجهد، وكوابل البيانات، وأنابيب النفط والغاز، ضمن حيز جغرافي موحد يحقق أعلى درجات الكفاءة والتكامل.

وفي هذا السياق، يبرز بُعد تقني واقتصادي حاسم يتعلق بطبيعة تصدير الهيدروجين الأخضر، إذ إن نقله بصورته الأولية يظل عالي الكلفة ومعقداً من الناحية اللوجستية، لذلك تتجه الاستثمارات العالمية إلى تحويله إلى أمونيا خضراء، باعتبارها ناقلاً أكثر استقراراً وأسهل في التخزين والنقل.

ويُضاف إلى ذلك هدف استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في خفض الكلفة الكلية لتوصيل الطاقة والخدمات إلى الأسواق الأوروبية، حيث إن نجاح نموذج تصدير الطاقة النظيفة من المنطقة يعتمد على قدرتها على الوصول إلى أوروبا بأسعار تنافسية.

ومن خلال دمج البنية التحتية للنقل مع الطاقة والبيانات ضمن ممرات موحدة، يمكن تقليل كلفة التسليم الشامل، وتحقيق وفورات الحجم، وتعزيز جدوى الاستثمار في هذه المشاريع.

ومن الناحية التصميمية، فإن بناء شبكة إقليمية فعّالة يتطلب إنشاء ما بين خمسة إلى سبعة ممرات رئيسية مترابطة تغطي المنطقة بالكامل، بما يضمن المرونة وتقليل المخاطر.

هذه الشبكة لا تعكس فقط رغبة في تحسين الكفاءة، بل تعكس إدراكاً بأن القدرة على تغيير المسار هي بحد ذاتها مصدر قوة، حيث تتحول المنطقة من نقاط اختناق إلى فضاء متعدد المسارات.

وفي هذا المشهد، لا تتحرك السعودية كمجرد مشارك، بل كفاعل يسعى إلى إعادة توزيع الأدوار وبناء منظومة تتيح لها التنقل بين المسارات المختلفة.

لكن هذا التحول يتطلب مستوى عالياً من التنسيق الإقليمي، والانتقال من منطق المشاريع الوطنية إلى منطق المنظومة الإقليمية المتكاملة.

في النهاية، يمكن القول إن المبادرة السعودية تمثل أكثر من مجرد مشروع لوجستي؛ إنها تعبير عن تحول عميق في طريقة التفكير في الجغرافيا والاقتصاد والسياسة.

تحول من عالم تتحكم فيه الممرات، إلى عالم تُدار فيه الشبكات. ومن يدرك هذا التحول مبكراً، سيكون في موقع ليس فقط لعبور المستقبل بل لصناعته. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك