فيصل اسامة النجداوي : يوسف العيسوي مِعيارُ الأمانةِ وسادنُ ميثاقِ الوفاءِ بينَ العرشِ والشعب
بقلم فيصل اسامة محمد صالح النجداوي
ثمة وقفاتٌ في تاريخ الدول تتجاوز حدود التأريخ الوظيفي، لتصبح برهاناً على أن الإخلاص هو العملة الوحيدة التي لا تنضب قيمتها، وفي قلب هذه الوقفات يبرز معالي يوسف العيسوي أبو حسن، ليس كمسؤولٍ يشغل حيزاً في الهيكل الإداري للدولة، بل كظاهرةٍ وطنية تجسد مفهوم رجل المهات الصعبة الذي صهر هيبة الجندية في حكمة الإدارة السياسية، مستحقاً بجدارة لقبً
أمين العهد الذي يذود عن حياض الثقة الملكية بكل أمانة واقتدار.
إن المتتبع لمسيرة أبا حسن في موقعه الحساس كرئيسٍ للديوان الملكي الهاشمي، يدرك أنه أمام مدرسةٍ في فقه الأمانة؛ فهو الرجل الذي ائتمنه جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله على أقدس ملفات التواصل صلة الوصل بين العرش والناس، فكان العيسوي في هذا الموقع بمثابة الصمام الذي يضمن انسياب المكارم الملكية بعدالة، والمجسّ الذي يقرأ تطلعات الأردنيين بصدق، بعيداً عن صخب المكاتب، ومقترباً من تراب القرى والبوادي والمخيمات، حيث تجده يطوي المسافات طياً، تسبقه خطواته إلى بيوت العزاء ومواقع الإنجاز، مؤمناً بأن رئيس الديوان هو الجندي الأول الذي لا يهدأ له بال ما دام هناك تكليفٌ ملكي لم يُنجز، أو خاطِرُ مواطنٍ لم يُجبر.
تتجلى دقة موقعه وحساسيته في قدرته الفائقة على إدارة معادلة الهيبة والتواضع؛ فهو في حضرة القائد المستشار المؤتمن الذي يقرأ لغة الواجب في عيني سيد البلاد قبل نطقها، وهو في ميدان الشعب الأب الحاني والبسيط الذي يكسر الحواجز بكلمةٍ طيبةٍ وفعلٍ منجز، لقد استطاع العيسوي أن يحول الديوان الملكي من صرحٍ بروتوكولي مهيب إلى بيتٍ للأردنيين بالمعنى الحرفي والوجداني، فاتحاً الأبواب التي كانت يوماً موصدة، ومحولاً التوجيهات الملكية السامية إلى مشاريع تنموية ومبادرات إنسانية تلمس حياة الإنسان البسيط مباشرة، دون محاباةٍ لأحد أو انحيازٍ إلا لمنطق الحق والعدل والمصلحة الوطنية العليا.
إن عنفوان الوفاء الذي يسكن أبا حسن يظهر في تلك المواقف التي لا توثقها الكاميرات؛ في السهر خلف الملفات الشائكة، وفي المتابعة الحثيثة لأدق التفاصيل لضمان وصول الحق لمستحقه، وفي صموده الاستثنائي أمام عوادي الزمن وإرهاق السنين، ليثبت أن الجندي الذي تربى في مدرسة الجيش العربي لا يتقاعد عن العطاء، بل تزداد جذوته اشتعالاً كلما اشتد ثقل الأمانة، لقد نجح العيسوي في أن يكون الركن الركين في منظومة العمل الوطني، متسلحاً بصبرٍ لا ينفد، ونزاهةٍ ترفعت عن كل مغنم، وصمتٍ هو في حقيقته أبلغ لغات الإنجاز، فهو لا يبحث عن ثناء، بل يبحث عن رضا الله ورضا القائد وراحة الرعية.
ختاماً، يبقى يوسف العيسوي القامة التي تفرض احترامها بحصافة الموقف ونبل السيرة، والنموذج الحي للمسؤول الذي لم يزده القرب من الملك إلا تواضعاً للناس، ولأن لغة الأرقام والنتائج لا تكذب، فإن بصماته في كل شبرٍ من أرض الأردن هي الشاهد الأصدق على مسيرةٍ لم تعرف الالتفات، سيبقى أبو حسن الجندي المرابط في محراب الأمانة، والمؤتمن الذي صان العهد، وحمى الرسالة، وظلَّ وفياً لمبادئه كما هو وفياً لعرشه ولوطنه، شامخاً بفعله، كبيراً بأثره، وعظيماً في قدرته على أن يظل خادماً للأردن بمرتبة فارس.