أ. د. عادل الهاشم : من توجهات هيئة الاعتماد إلى البلقاء التطبيقية: تعزيز الشهادات المهنية في إعادة تشكيل التعليم
في ظلّ التطورات الحاصلة في الاقتصاد الرقمي، لم يعد مناقشة القضايا المتعلقة بالتعليم ومواكبة هذه التطورات مجرد تصريحات إعلامية، بل أصبح هناك تحول في إعادة تشكيل قدرة النظام التعليمي في جميع مراحله لسد الفجوة بين مخرجات التعليم والاحتياجات الفعلية، مع تسارع اعتماد الأسواق المحلية والعالمية على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، من أجل إعداد خريجين يمتلكون مهارات حقيقية بعيدًا عن الأنماط التقليدية في التعليم القائم على التلقين والحفظ.
كما أن التحدي الحقيقي في الوقت الحاضر يتمثل في نوعية التعليم واتجاهاته، وقدرة النظام التعليمي على بناء قدرات ومهارات قادرة على مواكبة متطلبات التوظيف في مجالات عمل تتغير بشكل مستمر. ومن هنا تبرز الفجوة في وجود أعداد كبيرة من الخريجين مقابل محدودية في المهارات التطبيقية، خاصة في المجالات الحديثة مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، رغم امتلاك جامعاتنا الحكومية والخاصة قاعدة تعليمية قوية مقارنة بالمنطقة.
وفي هذا السياق، فإن توجهات وزارة التعليم العالي وقرارات هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها تعكس تحولًا استراتيجيًا في إعادة صياغة نموذج التعليم الجامعي، من خلال دمج المهارات الرقمية في جميع التخصصات، والتركيز على اللغة الإنجليزية في البرامج الأكاديمية، بحيث يشمل ذلك التخصصات الإنسانية والإدارية، مما يعزز اندماج الطلبة مهنيًا في سوق العمل، من خلال الارتقاء بمهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعامل مع الأدوات الرقمية الحديثة، والعمل ضمن فرق تعاونية إلكترونيًا.
وفي إطار تعزيز جودة المخرجات الأكاديمية، تبرز أهمية منح "التخصص الدقيق” لأعضاء هيئة التدريس، خصوصًا في بعض الحالات التي يُمنح فيها هذا التخصص بناءً على عنوان رسالة علمية أو اهتمام بحثي فردي فقط، دون دراسة مساقات برنامج واضحة تؤطر هذا التخصص. فمثل هذا النهج قد يحوّل التخصص الدقيق إلى توصيف بحثي شخصي أكثر منه مجالًا أكاديميًا منهجيًا قائمًا على بنية معرفية ومهارية قابلة للتدريس والتطوير.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة ضبط مفهوم التخصص الدقيق لأعضاء هيئة التدريس أصبح ضرورة ملحّة وأساسًا لعمليات التحول والتطوير، بحيث لا يقتصر على التوجهات البحثية الفردية، بل يرتبط ببرنامج علمي واضح ومجموعة مقررات متخصصة، بما يضمن اتساقه مع معايير الجودة والاعتماد، ويعزز وضوح الهوية الأكاديمية داخل الأقسام في الجامعات الأردنية، ويحدّ من التباين في تفسير وتطبيق هذا المفهوم بين المؤسسات الأكاديمية.
كما أن إدخال الشهادات المهنية المصغّرة، التي من شأنها تعزيز المهارات التطبيقية للطلبة، بات أمرًا حتميًا لمواكبة سوق العمل. وفي هذا السياق، برزت تجربة تطبيقية خلال الفصل الأول من العام الجامعي 2025–2026 في جامعة البلقاء التطبيقية لطلبتي في تخصص ذكاء الأعمال، حيث حصل ما يقارب ستين طالبًا من أصل ستة وتسعين طالبًا على شهادات مهنية مصغّرة في تحليل البيانات والبرمجة والذكاء الاصطناعي كنموذج تطبيقي، وتم تكريمهم رسميًا، مما يسهم في تطوير المهارات الرقمية لطلبة التخصص.
لذلك، نحن بحاجة إلى فلسفة تعليمية تقوم على أساس الحفاظ على العمق الأكاديمي للتخصصات من جهة، وتحديث الأدوات والمهارات المتعلقة بالتدريس من جهة أخرى، من خلال الحصول على شهادات مهنية عالمية تتماشى مع الاتجاهات العالمية في هذا المجال.
وفي المقابل، فإن الممارسات والتجارب العالمية تركز على سد الفجوة بين التعليم وسوق العمل، ولا يتحقق ذلك إلا عبر شراكة حقيقية بين الجامعات والقطاع الخاص، بحيث يصبح التدريب العملي جزءًا أساسيًا من البرنامج الأكاديمي، وليس جزءًا ثانويًا، إضافة إلى تطوير مستمر للمناهج بما يواكب متطلبات العصر، ودمج الخبرات المهنية داخل البيئة الجامعية.
وبناءً على ذلك، يصبح الهدف الأساسي هو إعداد خريج قادر على الإبداع والإنتاجية بدلًا من الاكتفاء بالاستيعاب النظري، ليصبح التعليم الأردني أكثر قدرة على المنافسة محليًا وإقليميًا وعالميًا، وأكثر ارتباطًا باقتصاد المعرفة الذي بات يشكل جوهر التنمية في العصر الحديث.