أ. د. سلطان المعاني : الأردن ومواسم الأخضر الممتد
يمتدّ الأخضر في الأردن كأنه ذاكرة البلاد حين تخرج من صمت الحجر إلى نضارة الحقول، فمن سهول إربد وعجلون وجرش إلى كروم السلط ومأدبا والكرك والطفيلة، ومن زيتون الشمال إلى لوز الجنوب وتين القرى وعنب الحواكير، تتشكّل صورة وطنٍ عرف كيف يجعل من الشجرة رفيقة عمر ومن الموسم وعداً يتجدّد كل عام، ومن الخضرة لغةً اجتماعيةً تسكن الوجدان قبل أن تسكن السفوح والوديان.
يأتي الربيع الأردني قصيراً في تقويم الفصول، عميقاً في أثره، يهب الأرض فسحةً من البهجة بعد بردٍ طويل، فتستعيد التلال ألوانها، وتنهض الأعشاب بين الحجارة وتتقدّم الزهور البرية كأنها رسائل صغيرة من باطن الأرض إلى عيون الناس. في تلك اللحظة يكتشف الأردني أن بلاده تخبئ في تربتها قدرةً نادرةً على التجدد، وأن المطر حين يلامس السفح يوقظ تاريخاً كاملاً من الزراعة والرعي والانتظار والصبر.
ارتبط الأخضر في الأردن بمعيشة الناس وطقوسهم ومفرداتهم اليومية، فالموسم الزراعي كان رزنامة البيت والقرية ومنه تُقاس الوفرة وتُرتّب الأعراس وتُفتح البيوت وتُنسج الأمثال وتُحفظ الحكايات. كان الزيتون سيّد هذه المواسم، شجرةً تجمع العائلة حولها في القطاف وتمنح الخبز نكهته الأولى، وتضع على المائدة زيتاً يشبه خلاصة الأرض وكانت الكرمة والتينة علاماتٍ على بيتٍ مستقر وحاكورةٍ عامرة ويدٍ تعرف قيمة التراب.
وفي البادية يأخذ الأخضر هيئةً أخرى، أكثر خفراً وأشدّ ارتباطاً بالمطر العابر، فالنبت القصير بعد الوسم يغيّر وجه المدى، وتتبعه القطعان، وتنتعش الذاكرة الرعوية التي صنعت جانباً عميقاً من الشخصية الأردنية. هنا تبدو الخضرة حدثاً ثميناً، تومض بين الحصى والريح، وتعلّم الإنسان قراءة الغيم ورائحة التراب واتجاه العشب، فتغدو الطبيعة كتاباً مفتوحاً لمن تمرّس بحكمتها.
يتحوّل الأخضر كذلك إلى جزء من جمال المدن والقرى، فعمّان التي صعدت على الجبال احتفظت في حدائقها وبيوتها القديمة بأثر الشجر، والسلط جعلت من العنب والتين والزيتون جزءاً من هندسة المكان، وعجلون منحت الغابة صفة الحارس والكرك والطفيلة حملتا في لوزهما وكرومهما ملامح الجنوب الصابر. هكذا تتوزع الخضرة بين الحقل والغابة والحاكورة والوادي، فتمنح البلاد توازناً بين الصخر والنبت والجفاف والخصب.
ويحمل الأخضر اليوم رسالةً أبعد من الحنين؛ فهو سؤال المستقبل أيضاً، لأن صون الشجر والماء والتربة صار دفاعاً عن الحياة نفسها وعن أمن الغذاء، وبقاء القرية منتجةً، وبقاء المدينة قادرةً على التنفس. وحين نعيد الاعتبار للمواسم، فإننا نعيد الاعتبار لفكرة العمل الهادئ، وللصلة القديمة بين اليد والأرض، وللثقافة التي ترى في الزراعة شأناً حضارياً، يتصل بالاقتصاد كما يتصل بالهوية والجمال.
في الأردن مواسم أخضر ممتد، تبدأ من غصن زيتون وتصل إلى ذاكرة وطن، تمرّ عبر حبة قمح وقطرة مطر وسنبلة برية وحاكورة بيت، ثم تستقر في وجدان الناس قيمةً حيةً تقول إن البلاد التي تعرف شجرها تعرف نفسها، وإن الأرض التي تُسقى بالمحبة والعمل تمنح أبناءها أكثر من ثمر؛ تمنحهم سبباً للبقاء، وذخيرةً للأمل، وصورةً راسخةً عن وطنٍ يشتدّ عوده كلما اخضرّت مواسمه.