المحامي علاء مفلح ابو سويلم : الضرر المعنوي بين النص والاجتهاد: قراءة في منهج القضاء الأردني
في التجربة القضائية الممتدة لعقود طويلة في المحاكم النظامية الأردنية، يتبين بوضوح أن العدالة لا تكتمل بإعادة التوازن المالي فحسب، بل تقوم في جوهرها على جبر الضرر الإنساني بكل أبعاده. حيث لم يعد الضرر الموجب للتعويض محصوراً في الخسارة المادية القابلة للحساب، بل امتد ليشمل الأذى المعنوي الذي يصيب الإنسان في كرامته واعتباره وشعوره بالأمان الاجتماعي.
لقد كرّس القضاء الأردني من خلال اجتهاداته المتواترة مبدأ أصيلاً مؤداه أن الضرر المعنوي ضرر قائم بذاته يستوجب التعويض متى توافرت أركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، دون اشتراط أن يكون الضرر مادياً ملموساً. إذ أن المساس بالسمعة أو الكرامة أو الشعور الإنساني يترك آثاراً عميقة قد تفوق في جسامتها الضرر المادي ذاته، وهو ما أكدت عليه العديد من الأحكام التي اعتبرت التعويض وسيلة لجبر الخاطر وإعادة الاعتبار.
ومن خلال الممارسة العملية في مجال تقدير الضرر المادي والمعنوي، يتضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بالضرر المعنوي، وإنما في تقديره تقديراً عادلاً يحقق التوازن بين عدم المغالاة في التعويض وعدم الانتقاص من حق المتضرر. ذلك أن هذا النوع من الضرر بطبيعته غير قابل للقياس الحسابي المباشر، الأمر الذي يجعل سلطة المحكمة التقديرية هي الأداة الأساسية في تحديد قيمته استناداً إلى معايير موضوعية تستخلص من ظروف كل قضية.
ومن أبرز هذه المعايير: جسامة الفعل الضار وطبيعته ومدى تعمده ونطاق انتشاره وتأثيره على المركز الاجتماعي والمهني للمضرور، وكذلك الآثار النفسية المترتبة عليه واستمرارها في الزمن، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين أطراف النزاع. وكل ذلك يجب أن يخضع لرقابة محكمة التمييز لضمان عدم الانحراف في استعمال السلطة التقديرية.
ومع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الحديثة، برزت صور مستحدثة من الضرر المعنوي تتسم بسرعة الانتشار واتساع نطاق التأثير، كما هو الحال في قضايا التشهير الإلكتروني وانتهاك الخصوصية، وهو ما يفرض ضرورة تطوير الاجتهاد القضائي بما يتلاءم مع هذه المتغيرات ويكفل حماية فعالة لحقوق الأفراد في الفضاء الرقمي.
وانطلاقاً من الخبرة العملية في هذا المجال، فإن الحاجة أصبحت ملحة لوضع إطار إرشادي يستند إلى أسس فقهية وقضائية مستقرة، يساعد المحاكم على تحقيق قدر أكبر من التوازن في تقدير التعويض دون المساس باستقلال القاضي، بحيث يسهم ذلك في الحد من التفاوت في الأحكام ويعزز من استقرار المراكز القانونية.
إن التعويض عن الضرر المعنوي لم يعد مسألة تقديرية بحتة، بل أصبح عنصراً أساسياً في تحقيق العدالة الشاملة التي تنظر إلى الإنسان بوصفه قيمة متكاملة لا تختزل في الجانب المادي فقط. الأمر الذي يستدعي مزيداً من الجهد التشريعي والفقهي لتأصيل هذا المفهوم وترسيخ معاييره بما ينسجم مع تطور المجتمع الأردني ويعزز ثقة الأفراد بمنظومة العدالة وسيادة القانون.