رمزي الغزوي : مهنة بلا ارتجاف
في غرفة التحرير، حيث كانت القهوة تبرد على عجل، والوجوه تتقاطع بين خبر وآخر، كان الصوت الأعلى هو صوت الشّك. صحفي يسأل، وآخر يعترض، وثالث يعيد صياغة جملة لأنه لم يطمئن لها. هناك، كانت الحقيقة تولد بمشقة وكبد، وتصل أحيانا متأخرة، لكنها تصل وفي جسدها نبض. اليوم تمر اللحظة نفسها دون ضجيج. الشاشة تلمع، والنص ينساب كاملا، كأنه لم يمر بكل ذلك العناء. كل شيء في مكانه، كأن الفوضى التي تصنع المعنى أزيحت بصمت.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى المهنة بثقة من يعرف الطريق. يكتب، يحلّل، يقترح، ويراجع. يختصر الزمن إلى حد يربك الإحساس به. النص يولد سريعا، نظيفا، محكما، قابلا للنشر من الوهلة الأولى. ومع هذا الاتقان، يتسرب شعور خفي بأن شيئا ما لم يعش بما يكفي. فالصحافة في أصلها فعل قلق، تبدأ بسؤال صغير يكبر ويتشعب ويحرق الرؤوس، ويقود إلى أسئلة أخرى. الصحفي كان يطارد المعنى، ولا يكتفي بالإجابة، ولهذا كانت الكتابة تحمل آثار الرحلة وعناءها، تعرجاتها وترددها، وحتى أخطاءها الصغيرة التي تشبه الإنسان.
حين تتصدر الآلة المشهد، يختفي ذلك الأثر. النص يصل مكتملا، خاليا من التعب. لا خطوة متعثرة، لا عودة إلى الوراء، ولا ذلك التردد الذي ينقذ الفكرة من سذاجتها. يصبح الخبر سطحا أملس، يعكس كل شيء ولا يكشف عمقه. في هذا التحول، يتبدل موقع الصحفي بهدوء. يبتعد خطوة عن الحدث، ثم أخرى. يراقب، يصحح، يوافق. المسافة تزداد دون انتباه، ومع كل نص لا يعيشه، يخسر شيئا من حدسه الذي لا يعوض.
في الجهة الأخرى، يعيش القارئ سباقا يوميا مع سيل لا ينتهي. أخبار تتزاحم، وصور تتقن الإقناع، وحكايات مصاغة بعناية. يلتقط ما يمر سريعا، ويترك ما يحتاج وقتا. تتشكل لديه معرفة واسعة وخفيفة في آن واحد. هنا تبهت الحدود، لا بين الصدق والكذب فقط، إنما بين ما حدث وما صيغ ليبدو كذلك. الحقيقة لا تغيب، لكنها تختنق تحت كثافة ما يشبهها، وتحتاج إلى من ينقب عنها، لا من يكتفي بعرضها.
القضية ليست في الأداة، فهي امتداد لقدرة الإنسان. القضية في اليد التي تستخدم تلك الأداة، والعين التي تقرر متى تثق ومتى تشك وترفض. كل نظام يحمل داخله انحيازاته، وكل نص يحتاج إلى من يسأله: لماذا كتب هكذا، ولمن. الصحافة الآن أمام مرآة قاسية. إما أن تستعيد دورها كبحث دائم عن المعنى، أو تذوب في تدفق نصوص متقنة لا تقول شيئا جديدا.