الأخبار

المستشار محمد صالح الملكاوي : بين إنقاذ طيار إلى إنقاذ شعب ... كيف أعادت الولايات المتحدة والأردن تعريف القوة العسكرية!!!؟؟؟

المستشار محمد صالح الملكاوي : بين إنقاذ طيار إلى إنقاذ شعب ... كيف أعادت الولايات المتحدة والأردن تعريف القوة العسكرية!!!؟؟؟
أخبارنا :  

• بقلم: المستشار محمد صالح الملكاوي
في الشرق الأوسط المُشتعل، لم يعد تعريف القوة مقتصراً على عدد الطائرات والصواريخ والبوارج والدبابات وغيرها أو حتى بحجم الترسانة النووية، بل في القدرة على حماية الإنسان في أكثر اللحظات خطورة أيضاً. وهنا يُمكنني القول بأن الولايات المتحدة والأردن قدّما نموذجين عسكريين فريدين أعادا صياغة هذا المفهوم وقت الحرب، من خلال تحويل القوة العسكرية والاستخبارية إلى أداة إنقاذ كذلك.
فعندما أُسقِطت طائرة حربية أمريكية من طراز F-15E داخل الأراضي الإيرانية، لم يكن الحدث مجرد خسارة طائرة حربية، بل كان اختباراً حقيقياً لعقيدة وصلابة الدولة. فقد حشدت الولايات المتحدة ما يقارب من 155 طائرة عسكرية مختلفة الأنواع والأصناف والمهام، من بينها مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود وطائرات إنقاذ وقاذفات استراتيجية، إلى جانب أكثر من 200 عنصرٍ من القوات الخاصة، لإنقاذ طيار واحد بقي نحو 48 ساعة خلف خطوط العدو.
برأيي هذه ليست مبالغة عملياتية، بل هي رسالة استراتيجية ويجب على كلّ الدول أن تقتدي بها: بأن الجندي ليس رقماً… بل هو أولوية وطنية عُليا.
وفي المقابل، قدّم الأردن أنموذجاً لا يقل عُمقاً وأهمية، وإن اختلفت أدواته وأساليبه وغاياته. ففي ذروة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، نفّذت طائرات سلاح الجو الملكي الأردني مئات عمليات الإنزال الجوي باستخدام طائرات عسكرية من طراز C-130، لإيصال المساعدات الأردنية والدولية جوّاً إلى المدنيين الفلسطينيين المُحاصرين رغم شراسة الحرب والقصف المُتبادل بين الطرفين.
وقد خاطر في إحدى عمليات الإنزال الجوي جلالة الملك عبدالله الثاني حيث شارك في عملية الإنزال من الأجواء لأجل أشقائنا في غزة، وقد تحوّلت طائرة C-130 في تلك المهمّة إلى طائرة ملكية Ari Force One، مُستشهداً بفيلم هوليوود الشهير Air Force One. هذا مع العِلم بأنه يجب أن لا ننسى الخطر الذي كانت تتعامل معه طواقم الطيارين الأردنيين ومساعديهم في تلك الحرب التدميرية.
فهذه العمليات الأردنية لم تكن مجرد إنزالات إغاثة جوية، بل كانت قراراً سيادياً أردنياً مسنوداً بدعم جلالة الملك، بالتحليق في سماء مُعادية فوق قطاع غزة بسبب تلك الحرب، وذلك لإنقاد أشقائنا المدنيين في غزة، هذا على الرغم من المخاطر العسكرية والأمنية، التي قد تواجه طائرات عسكرية من نوع C-130 التي تطير على ارتفاعات مُنخفضة مُقارنة بالطائرات الحربية الأخرى.
وفي كلتا الحالتين: كانت غُرف العمليات العسكرية والاستخبارية الأمريكية والأردنية في أعلى درجات الحرارة والسخونة والجاهزية لأي خطرٍ أو مفاجأة من الأرض أو السماء أو الماء. وأستطيع أن أتخيّل كيف كانت غرف العمليات خلال عملية التنفيذ في النموذجين الأمريكي والأردني، وكيف كانت أيضاً بعد نجاح العمليتين.
الفرق بين النموذجين الأمريكي والأردني ليس في الإمكانيات، بل في وِحدِة الفلسفة: فالدولة التي تحترم نفسها هي التي تتحرك بكامل قوتها لإنقاذ حياة الإنسان. ففي الحالة الأمريكية، كان الهدف جندياً أمريكياً واحداً؛ وفي الحالة الأردنية، كان الهدف شعباً فلسطينيا بأكمله تحت القصف.
وهنا تتغير معادلة البطولة بحسب المهمّة الأمريكية. فلم تعد البطولة في إسقاط طائرة حربية خلال ثوانٍ، بل البطولة الكاملة هي في إدارة عملية إنقاذ مُعقدة تستمر ساعات وأيام لطواقم هذه الطائرة، وتُحشد لها الموارد، وتُتخذ فيها قرارات صعبة على حافة المُخاطرة. إنها بطولة العقل، وليس بطولة السلاح فقط.
وفي النموذج الأردني، فإن أعمى البصيرة هو من لا يرى كيف عملت الأجهزة الاستخبارية والعسكرية والأمنية في الظل لتمكين الطائرات العسكرية الأردنية من أداء مهامها الإنسانية من أجواء قطاع غزة، هذا إلى جانب جهود كل هذه الأجهزة مُجتمعة، لمنع المخاطر والتهديدات قبل وقوعها، عبر تفكيك الشبكات الإرهابية، حتى لو تطلّب الأمر ملاحقة المخاطر خارج الحدود، مما يُعزز نموذج "الأمن الاستباقي".
لهذا نحن أمام إعادة تعريف حقيقية لمفهوم القوة. قوة لا تُقاس بعدد ما تُدمّره، بل أيضاً بعدد ما تُنقذه. وحين تتحرك 155 طائرة أمريكية لإنقاذ طيار أمريكي واحد، وتُحلّق طائرات عسكرية أردنية سلمية مئات الطلعات الجوية لإنقاذ المدنيين في قطاع غزة، يُصبح واضحاً أن أعظم انتصارات الدول ليست في ميادين القتال فقط … بل في حماية الإنسان كذلك.
والأكثر صدمة في هذه المقارنة ليس الحدث بحد ذاته، بل في كلفته ومعناه الوطني والعسكري والأمني والسياسي؛ حيث تم تقدير كُلفة إنقاذ الطيار الأمريكي الثاني خلف خطوط العدو، حوالي 300 مليون دولار، في رسالة واضحة بأن حياة الجندي تساوي تحريك دولة عظمى كالولايات المُتحدة الأمريكية لأجل إنقاذ حياته، وإعادته إلى وطنه وأسرته سالماً مُعافى.
وفي المقابل، فقد نفّذ الأردن، بإمكاناتٍ محدودةٍ ومتواضعةٍ، مئات عمليات الإنزال الجوي إلى قطاع غزة بكلفة تقديرية إجمالية تصل إلى حوالي مائة مليون دولارٍ على الأقل، لإنقاذ شعبٍ كامل تحت القصف في قطاع غزة. ولكني لم أسمع سوى من القِلة القليلة التي تقول لصقور سلاح الجو الملكي عند مغادرتهم (في رعاية الله)، وعند عودتهم (الحمد لله على السلامة ... والله يعطيكم العافية).
ويبقى القول: بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد راهن على مُستقبلة السياسي والاقتصادي وحتى أنه ضحّى بحياته كإنسان عندما أرسل جنوده لأرض مُعادية لإنقاذِ مواطنِ أمريكي واحد، فيما راهن كذلك جلالة الملك عبدالله الثاني بحياته، وبحياة الطيارين الأردنيين وطواقم الطيارات العسكرية، في سماءٍ وأرضٍ ومياهٍ مُعاديةٍ، لإجل مهمّة أردنية نبيلة تتمثل في إنقاذ الشعب الفلسطيني في قطاغ غزة.
وأود أن أقول للذين تمنوا لو أن الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية ألقت القبض على الطيار الأمريكي، بأن كل هذه القوات الأمريكية التي تجمّعت لإنقاذه، كانت ستحرق إيران في ضربة واحدة مستمرة ولن تتوقف حال إلقاء القبض عليه، لهذا فإني على قناعة بأن عملية الإنقاذ كانت في مصلحة إيران مثلما هي في مصلحة الولايات المُتحدة الأمريكية.

مواضيع قد تهمك