الأخبار

فيصل اسامة النجداوي : بين أمانة الكلمة وصمت الكراسي: قراءة في وجع "الضمان" ونبض الصبيحي

فيصل اسامة النجداوي : بين أمانة الكلمة وصمت الكراسي: قراءة في وجع الضمان ونبض الصبيحي
أخبارنا :  

بقلم فيصل اسامة محمد صالح النجداوي
لا يمكن قراءة المشهد الحالي للضمان الاجتماعي في الأردن بمعزل عن تلك الصرخة المدوية التي أطلقها الحقوقي والخبير الأستاذ موسى الصبيحي؛ فهي ليست مجرد تساؤل عن غياب شخوص، بل هي استنطاق لضمير الإدارة العامة ومراجعة أخلاقية لمفهوم رجل الدولة .حين يقف الصبيحي اليوم على عتبات التشريع، لا يحمل معه مجرد نصوص قانونية أو أرقام اكتوارية جافة، بل يحمل ألمًا وطنيًا نابعاً من إدراك عميق بأن الضمان هو الحبل السري الذي يربط استقرار الأردنيين بمستقبل دولتهم، وأن أي اهتزاز في هذا الحبل هو اهتزاز في أركان الأمن الاجتماعي الشامل.
إن الألم الذي يعتصر طرح الأستاذ موسى يتجاوز العتب المهني ليدخل في منطقة المكاشفة القاسية؛ فهو يرى بعين الخبير الذي أفنى عقوداً في ردهات هذا الصرح، كيف تتبدل الوجوه وتغيب القيادات (الجنرالات) في اللحظات التي يحتاج فيها الوطن إلى شهادة حق لا تحابي مسؤولاً ولا تداهن سياسة. هذا الغياب الصامت للمديرين العامين السابقين يمثل في وجدان الصبيحي انكساراً لمبدأ توارث الخبرة، وكأن المنصب بالنسبة للبعض كان غُنماً ينتهي بانتهاء المسمى، بينما يراه هو غُرماً وأمانةً تلاحق صاحبها حتى بعد الترجل عن صهوة الوظيفة.
تتجلى حصافة الطرح عند الصبيحي في قدرته الفريدة على الربط بين جفاف النص القانوني وحرارة الواقع المعيشي. هو لا يتحدث عن تعديلات بل يتحدث عن مصائر ؛ عن ذلك الموظف الذي ينتظر بشغف لحظة استحقاقه، وعن تلك الأجيال القادمة التي قد تجد الصندوق خاوياً إذا ما استمرت سياسات الترضية أو الاجتهادات غير الحصيفة . هذا النفس السردي في مقالاته (الضمان والناس) ليس مجرد توعية، بل هو بيان استغاثة موجّه لمركز القرار، يحذر فيه من مغبة الانفراد بالتشريع بعيداً عن أهل الخبرة والميدان.
إن ما يؤلم الصبيحي حقاً، وما يلمس كل من يقرأ له بتمعن، هو شعور بالغربة داخل المؤسسة التي أحب؛ حين يجد نفسه في خندق الدفاع عن حقوق المشتركين وحيداً أو مع قلة قليلة، بينما يختار مَن كان بيده القرار يوماً الركون إلى منطقة الظل والسلامة الشخصية. هذا التباين يخلق حالة من المرارة الوطنية ؛ فالدولة التي منحت هؤلاء القادة شرف القيادة والاطلاع على الأسرار الفنية والاكتوارية، تستحق منهم اليوم رد الجميل بالوقوف في وجه أي انحراف تشريعي، لا الصمت الذي قد يُفسّر على أنه مباركة ضمنية أو تهرب من مسؤولية قرارات سابقة أرهقت كاهل المؤسسة.
وفي الختام، يظل طرح الأستاذ موسى الصبيحي هو البوصلة الأخلاقية في زمن التيه الإداري. إنه يثبت أن الخبير الحقيقي هو من يمتلك جرأة الاعتراف بالخلل أينما وجد، وأن الدفاع عن مؤسسة الضمان هو دفاع عن هيبة الدولة وقدرتها على الوفاء بوعودها لمواطنيها. إنها دعوة للعودة إلى طاولة الحوار الوطني بقلوب مفتوحة وعقول متجردة، فالحقوق لا تضيع ما دام وراءها مُطالب يملك شجاعة الكلمة، وأمانة الموقف، وحرقة القلب على مكتسبات الوطن. إن مقال الأستاذ موسى هو مرآة تعكس الفجوة بين المسؤول الموظف و المسؤول الإنسان ، وهي دعوة للحكومة بأن تستمع لصوت الخبرة الصادقة قبل أن تجف الأقلام وتُرفع الصحف بقرارات قد لا يرحمها التاريخ.

مواضيع قد تهمك