د. خالد الشقران :بين التهديد والفرصة… هل يولد المشروع العربي؟
يتحرك الإقليم على وقع صراع مفتوح بين مشروعات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى إعادة تشكيل موازين القوة والهوية السياسية للمنطقة، حيث يسعى المشروع الصهيوني في نسخته الأكثر تطرفا، إلى بسط هيمنته وفرض وقائع جديدة بالقوة، مستندا إلى تفوق عسكري ودعم دولي متقلب، فيما يدفع المشروع الفارسي بأدواته المتعددة نحو توسيع نطاق النفوذ عبر أذرع إقليمية وميليشيات وشبكات عابرة للحدود، تعيد تعريف مفهوم الدولة والسيادة، وفي خضم هذا الاشتباك، تبدو المنطقة العربية أمام اختبار تاريخي يضعها بين خيارَي التلقي والانكشاف، أو المبادرة وإعادة التموضع.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في حجم التهديدات بقدر ما تكمن في كيفية إدارتها، حيث أثبتت التجارب أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى طويلا، بل تملؤه قوى تمتلك وضوح الرؤية وأدوات التنفيذ، وفي الحالة العربية، طال أمد التردد، وتكرست حالة من العمل الفردي الذي أضعف القدرة الجماعية على التأثير، وفتح المجال أمام الآخرين لرسم خرائط النفوذ وتحديد قواعد الاشتباك في منطقة يفترض أن يكون لأصحابها اليد الطولى والقرار الأكثر تأثيرا.
ورغم قتامة المشهد، فإن اللحظة الراهنة تحمل في طياتها فرصة نادرة، حيث أن تصاعد المخاطر يكشف محدودية المقاربات التقليدية، ويعيد طرح سؤال الأمن القومي العربي بوصفه قضية وجود، مما يستدعي ضرورة بلورة إدراك جمعي أكثر وضوحا حول أهمية الترابط بين الأمن الوطني لكل دولة عربية والأمن الإقليمي الشامل، خاصة في ظل تهديدات لا تعترف بالحدود، من الميليشيات إلى الحروب السيبرانية وصولا إلى الضغوط الاقتصادية.
لقد بات العمل من أجل مشروع عربي أولوية وضرورة قصوى تفرضها معادلات القوة، وفي الواقع أن هذا المشروع إن كتب له أن يرى النور، يجب أن يقوم على أسس واقعية تتجاوز الخطابات التقليدية، وتنطلق من بناء تكتل عربي قادر على التنسيق السياسي العميق، والتكامل الاقتصادي الفاعل، وتطوير منظومة دفاع مشترك تستند إلى مفهوم الردع الوقائي، بيد أن الردع هنا لا يعني البحث عن المواجهة، بل خلق توازن يمنع الاعتداء، ويجعل كلفة أي مغامرة أعلى من مكاسبها.
بناء مثل هذا التكتل يتطلب إعادة تعريف الأولويات، ووضع المصالح العربية المشتركة فوق الحسابات الضيقة، كما يستدعي تطوير مؤسسات العمل العربي المشترك لتصبح أكثر صلابة ومرونة وفعالية، قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في أوقات الأزمات، بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات، كذلك، فإن الاستثمار في القدرات الذاتية، من الصناعات الدفاعية إلى الأمن الغذائي والتكنولوجي، يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع يسعى إلى الاستقلالية الاستراتيجية.
التحدي الأكبر يظل في الإرادة السياسية، في ظل أن الموارد متاحة والموقع الجغرافي يمنح العرب وزنا استثنائيا في معادلات الطاقة والتجارة العالمية، غير أن غياب الرؤية الموحدة يبدد هذه الأوراق، في حين أن اللحظة الحالية تضغط باتجاه إعادة التفكير، وتمنح فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدول العربية على قاعدة المصالح المتبادلة، لا المجاملات المؤقتة.
المشهد الإقليمي يتغير بسرعة، ومن يتأخر في صياغة موقعه سيجد نفسه جزءا من ترتيبات يفرضها الآخرون، وعليه فإن تحويل التهديدات إلى فرصة يتطلب شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، واستعدادا لتحمل كلفة البناء في المدى القصير مقابل استقرار طويل الأمد.
المسؤولية
اليوم تقع على عاتق صناع القرار والنخب الفكرية في آن واحد، المطلوب
الانتقال من توصيف المخاطر إلى هندسة الاستجابة، ومن رد الفعل إلى الفعل
المبادر، فالطريق ليس سهلا، غير أن كلفته تبقى أقل بكثير من كلفة الاستمرار
في حالة التشتت، وعليه فإن خطورة الواقع تنادي بالفعل، ومن يلتقط ذلك يصنع
مستقبلا مختلفا، ومن يتجاهله يدفع الثمن سيادة منقوصة وأمنا مهددا. ــ الراي