اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

زياد فرحان المجالي : نعود إلى مقابلة الملك اليوم لأن الواقع قال الكلمة نفسها

زياد فرحان المجالي : نعود إلى مقابلة الملك اليوم لأن الواقع قال الكلمة نفسها
أخبارنا :  

العودة إلى مقابلة جلالة الملك عبد الله الثاني مع «بانوراما» ليست استذكارًا إعلاميًا، بل قراءة جديدة في ضوء وقائع أكدت أن الخطر لم يكن في الحرب وحدها، بل في عقل سياسي يجد في استمرار الصراع مصلحة، وفي غياب أفق الدولة الفلسطينية تهديدًا دائمًا لاستقرار المنطقة.

بعض المقابلات لا ينتهي أثرها بانتهاء بثّها، بل تبدأ قيمتها الحقيقية عندما تأتي الوقائع بعد ذلك لتشرحها. وهذا ما ينطبق على مقابلة جلالة الملك عبد الله الثاني مع برنامج «بانوراما» على هيئة الإذاعة البريطانية، ضمن الوثائقي «ملك الأردن وأطفال غزة». نحن لا نعود اليوم إلى ذلك اللقاء من باب الاستذكار، بل لأن ما قاله جلالة الملك عبد الله الثاني فيه بدا، مع تطورات المشهد لاحقًا، أقرب إلى تشخيص مبكر لطبيعة الأزمة كلها.

أهمية المقابلة أنها لم تتوقف عند وصف الدمار أو التعبير عن موقف أخلاقي من الحرب، بل ذهبت إلى أصل المأزق. جلالة الملك عبد الله الثاني لم يطرح المسألة على أنها مجرد تعثر جديد في جهود السلام، بل أشار بوضوح إلى أن هناك قيادة إسرائيلية لا يبدو أن إنهاء الصراع يدخل في مصلحتها الفعلية. وحين يقول جلالته إنه لا يثق بما يقوله بنيامين نتنياهو، فإن ذلك لا يُقرأ كعبارة سياسية عابرة، بل كخلاصة خبرة طويلة مع طرف لم يعد الخلاف معه على التفاصيل فقط، بل على صدقية النية والمسار.

وقد بدا واضحًا من مضمون المقابلة أن المسألة أعمق من جولة قتال جديدة، وأخطر من مجرد فشل متكرر في فرض التهدئة. فالمشكلة، كما عكسها حديث جلالة الملك عبد الله الثاني، تكمن في عقل سياسي يجد في استمرار الصراع مصلحة، ويرى في بقاء المنطقة على حافة الانفجار وسيلة لإدامة موقعه وتبرير سياساته. ومن هنا جاءت أهمية التحذير الأردني: أن إدارة الصراع ليست حلًا، وأن التهدئة المؤقتة لا تصنع سلامًا، وأن بقاء الفلسطينيين بلا أفق سياسي حقيقي لا يمكن أن ينتج استقرارًا في الإقليم.

وهنا تتضح قيمة العودة إلى هذه المقابلة اليوم. فكل ما جرى بعد ذلك أعاد تثبيت الفكرة التي أراد جلالة الملك عبد الله الثاني أن يلفت العالم إليها مبكرًا: أن الشرق الأوسط لا يتهدده فقط استمرار الحرب، بل استمرار غياب القرار السياسي القادر على إنهائها من جذورها. ولهذا كان تحذير جلالته واضحًا من أن المنطقة ستبقى محكومة بالاضطراب ما لم يوجد مسار سياسي جدي يقود إلى الدولة الفلسطينية، بوصفها مدخلًا ضروريًا للسلام، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

ما قاله جلالته يومها لم يكن مجرد موقف أردني ثابت يُعاد تكراره، بل رفعًا لمستوى الوضوح أمام المجتمع الدولي. الرسالة كانت أن بعض الأزمات لا تستمر فقط لأن الحل صعب، بل لأن استمرارها صار مفيدًا سياسيًا لمن يديرونها. وحين يتحول الصراع من عبء إلى أداة بقاء، يصبح السلام أكثر صعوبة، لأن المشكلة لا تعود في غياب المبادرات فقط، بل في وجود من لا يرى في نهايته مصلحة مباشرة له. وهذا هو المعنى الأعمق للمقابلة: أن الحرب قد لا تكون مجرد نتيجة لفشل الحل، بل قد تصبح وسيلة لمنع الحل أصلًا.

لهذا فإن العودة إلى هذه المقابلة اليوم ضرورية. فهي لا تشرح فقط ما جرى، بل تشرح كيف يجب أن يُقرأ ما يجري. إنها تذكير بأن الاستقرار لا يولد من تأجيل الحقائق، وأن السلام لا يمكن أن يقوم على تجاهل الفلسطينيين أو على إدارة النار بدل إطفائها. وهذا هو جوهر ما قاله جلالة الملك عبد الله الثاني: لا سلام مع من يرى في الصراع مشروع بقاء، ولا أمن في منطقة يُراد لها أن تعيش دائمًا على حافة الانفجار.

مواضيع قد تهمك