في محاضرة بجامعة عمّان الأهلية
الصبيحي: مطلوب إصلاحات شاملة لمنظومة الضمان لا تقتصر على تعديل القانون
- لأول مرة تتجاوز نفقات الضمان ( 88% ) من ايراداته التأمينية.
- التعديلات المقترَحة قاسية وتُضعِف مستويات الحماية الاجتماعية
قال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي بأن مؤشّرات الدراسة الإكتوارية الحادية عشرة لم تكن مفاجئة، وكان يمكن لكل من يقرأ ويحلّل تدفقات ونفقات الضمان التأمينية أن يتوقّعها بسهولة، في ضوء سياسات دفعت بقوة إلى اقتراب نقطة التعادل بين الاشتراكات والنفقات.
وأضاف في محاضرة نظّمتها كلية الحقوق بجامعة عمان الأهلية وادارها د. شادي الطراونة بحضور د. خالد الحريرات مساعد عميد الكلية، و د. نور الدباس مساعد عميد شؤون الطلبة، أن مؤسسة الضمان الاجتماعي والحكومة ملزمتان بموجب المادة ( 18 / ج ) من قانون الضمان بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحؤول دون تعادل النفقات مع الإيرادات التأمينية من خلال تصويب السياسات والتشريعات بما يضمن الحفاظ على ديمومة النظام التأميني للمؤسسة وتعزيز مركزها المالي. مضيفاً بأن الوضع المالي لمؤسسة الضمان ليس سيئاً، لكنه مريح بحذر شديد، وأن ضمان استدامة أوضاعها المالية مستقبلاً، مرهون بما سيتم اتخاذه من إصلاحات جوهرية تشمل حزمة السياسات والعمليات اللازمة لتصويب الوضع المالي للنظام التأميني وتعزيز مستويات الحماية والعدالة الاجتماعية للضمان، وليس فقط تعديل القانون.
وأوضح بأن النمو المضطرد في أعداد المتقاعدين خلال السنوات العشر الأخيرة مقابل نمو محدود وضعيف في أعداد المؤمّن عليهم المشتركين أدّى إلى اختلال واضح في توازن النظام التأميني للضمان، وتؤكّد ذلك مقارنة بسيطة بين أعداد المؤمّن عليهم الفعالين وأعداد المتقاعدين ما بين العام 2015 والعام 2025. وبحسب بيانات وتقارير مؤسسة الضمان، فإن عدد المؤمّن عليهم الفعّالين بلغ مع نهاية العام 2015 حوالي ( 1.2 ) مليون مؤمّن عليه، في حين بلغ العدد التراكمي لمتقاعدي الضمان مع نهاية ذلك العام ( 180 ) ألف متقاعد، ما جعل عدد المشتركين إلى المتقاعدين ( ما يسمّى بالإعالة التأمينية) حوالي 6.6 مشترك مقابل كل متقاعد، وهي إعالة مقبولة وآمِنة.
لكن هذا الوضع تغير بصورة كبيرة خلال السنوات العشر التي تلت العام 2015 تدريجياً، إذ أصبح عدد المؤمّن عليهم النشطين مع نهاية العام 2025 حوالي ( 1.66 ) مليون مشترك، مقابل ( 392 ) ألف متقاعد تراكمياً، ليصبح معدّل الإعالة التأمينية 4.3 مشترك مقابل كل متقاعد، وهو معدل غير مقبول إكتوارياً، وأدّى إلى اختلال النظام التأميني، ما يحتاج إلى معالجة عاجلة، فالأرقام المذكورة تؤشّر إلى نمو أعداد المتقاعدين بحوالي ثلاثة أضعاف النمو في أعداد المشتركين ما بين العامين 2015 - 2025، حيث بلغت نسبة النمو في أعداد المتقاعدين حوالي ( 117%)، فيما بلغت نسبة النمو في أعداد المشتركين حوالي ( 38% ) فقط.
وأكّد بأن عملية الإصلاح يجب أن تشمل منظومة الضمان كاملة لا أن تقتصر على تعديل القانون، وما لم نفعل، فإن الفوائض المالية التأمينية السنوية للمؤسسة التي بدأت بالتناقص التدريجي خلال السنوات الخمس الفائتة ستتلاشى تماماً بحلول العام 2030 تحت ضغط فاتورة تقاعد متدحرجة ككرة الثلج، ولا سيما ما حدث خلال السنوات الست الماضية من إحالات مُفرٍطة على التقاعد المبكر في مؤسسات القطاع العام، إضافة إلى الإنفاقات الجائرة للضمان خلال جائحة كورونا والتي تجاوزت أل ( 800 ) مليون دينار، وبعضها تم تقديمه على سبيل التبرع من أموال العمال.
وقال الصبيحي بأن هناك جملة من التحديات تواجه الضمان اليوم وأهمها:
١) فجوة تغطية تأمينية واسعة.
٢) تمويل مستدام تحت ضغط ارتفاع النفقات التأمينية والعامة.
٣) معدلات بطالة مرتفعة.
٤) عدم الامتثال لقانون الضمان (ظاهرة التهرب التأميني) التي تُقدّر نسبتها بأكثر من ( 23% ) من إجمالي المشتغلين في القطاع المنظم.
٥) عدم شمول وتنظيم العمالة الوافدة ما أضعف نسبة المشتركين منها بالضمان بصورة كبيرة. إذ يوجد في المملكة حوالي ( 1.5 ) مليون عامل غير أردني فيما لا يزيد عدد المشمولين منهم بالضمان الاجتماعي على (16%)
٦) الإحالات المفرِطة إلى التقاعد المبكر ما أدى إلى إحداث خلل في النظام التأميني وتصاعد كبير في فاتورة التقاعد، علماً بأن عدد الموظفين المحالين إلى التقاعد المبكر من القطاع العام خلال السنوات من ( 2020 - 2025 ) وصل إلى حوالي ( 52 ) ألف موظف ومستخدم معظمهم أُنهيت خدماتهم وأحيلوا دون رغبتهم.
٧) ضعف العائد على استثمار أموال الضمان الذي يتراوح ما بين 5.5% إلى 6.4% وهو أقل من المستهدف إكتوارياً الذي يفترض أن يتراوح ما بين 9% إلى 12%.
٨) اتساع شريحة العاملين في قطاعات العمل غير المنظّمة الذين تقدّر نسبتهم بأكثر من 40% من إجمالي المشتغلين في المملكة. وهؤلاء جميعاً ما زالوا خارج مظلة الحماية الاجتماعية لمنظومة تأمينات الضمان.
٩) ضعف معدّلات الأجور في سوق العمل بقطاعيه العام والخاص، حيث تصل نسبة المؤمّن عليهم النشطين المشتركين على أجور تقل عن ( 300 ) دينار إلى حوالي ( 20%) من العدد الإجمالي للمؤمّن عليهم الفعالين.
١٠) التأمين الصحي الاجتماعي. وضرورة العمل على تطبيقه خلال الفترة القادمة، في إطار سيناريو مدروس بعناية وبالشراكة مع الحكومة ودعمها.
١١) ضعف حوكمة مؤسسة الضمان ومجالسها المختلفة (مجلس الإدارة، ومجلس الاستثمار، ومجلس التأمينات) وعدم وضوح المسؤوليات والصلاحيات وربما تداخلها، وكذلك انعكاسات إدماجها في مشروع هيكلة القطاع العام الذي نفّذته الحكومة منذ العام 2012 وأفقدَ المؤسسة جزءاً كبيراً من استقلاليتها.
١٢) تحدي ضمان الكفاية الاجتماعية وليس الكفاف: الأمر الذي يطرح تحدي كبير يتعلق بتحسين الرواتب المتدنية لمتقاعدي الضمان، إذ لا يجوز أن ينتج عن النظام التأميني للضمان إثراء البعض، فيما يعيش البعض الآخر في حالة الكفاف. وهناك فئتان من متقاعدي الضمان حالياً؛ الفئة الأولى تشكّل حوالي (9.4%) من العدد التراكمي لمتقاعدي الضمان يتقاضون رواتب تزيد على (1000) دينار شهرياً وعددهم يصل إلى حوالي (36) ألف متقاعد. والفئة الثانية لحوالي (9%) من متقاعدي الضمان وعددهم يصل إلى حوالي (32) ألف متقاعد يتقاضون رواتب تقل عن (200) دينار شهرياً لتلامس خط الفقر المدقع. مما يضع مؤسسة الضمان أمام تحدي تحسين الرواتب التقاعدية المتدنية من أجل الارتقاء بأصحابها وعائلاتهم إلى مستوى العيش في حدود الكفاية الاجتماعية وليس عيش الكفاف.
١٣) ضعف معدل المشاركة الاقتصادية ولا سيما للمراة.
وشدّد الصبيحي على أهمية المواءمة بين الحماية والاستدامة في أي إصلاحات أو تعديلات على قانون الضمان بهدف حماية الفئات الضعيفة وتوزيع المكتسبات بعدالة وإنصاف في إطار مفهوم الكفاية الاجتماعية العادلة والشاملة. داعياً إلى العمل عبر عدة محاور مهمة لمعالجة الاختلالات والتحديات المذكورة من خلال:
أولاً: توسيع قاعدة الشمول بالضمان، مما يحقق عدالة التغطية للطبقة العاملة، وفي نفس الوقت ندعم استدامة النظام التأميني وهي استدامة تعتمد بشكل رئيس على مدى اتساع قاعدة المشتركين للحفاظ على تدفق السيولة.
ثانياً: البدء بشمول العمالة غير المنظمة: بما يتضمن دمج عمال المياومة وكافة العاملين لحسابهم الخاص، والعاملين على المنصات الرقمية، وكافة أنماط أشكال العمل الحديثة، مما يحقق عدالة الحماية الاجتماعية للطبقة العاملة، وفي نفس الوقت يعزّز الإيرادات التأمينية لمؤسسة الضمان ويصب في استدامة نظامها التأميني.
ثالثاً: القضاء على ظاهرة التهرب التأميني بكافة صورها وأشكالها: من خلال ضمان تسجيل كافة العاملين بأحكام القانون، وعلى أساس كامل فترات عملهم ورواتبهم الحقيقية. كون التهرب أحد أهم الأسباب المؤدية إلى إضعاف المركز المالي للضمان ويفت في عضد الحماية والعدالة الاجتماعية كونه يحرم العامل من حقوقه حاضراً ومستقبلاً. وهذا يتطلب تفعيل الرقابة التأمينية ووضع خطة للتفتيش القطاعي والربط الإلكتروني مع مختلف الجهات ذات العلاقة.
رابعاً: إصلاحات هيكلية متوازنة لتعزيز الاستدامة والإنصاف، وبما يضمن استمرار النظام التأميني للأجيال القادمة دون المساس بحقوق الفئات الأقل دخلاً، ومن ذلك إعادة تنظيم قواعد وشروط التقاعد المبكر مع مراعاة العاملين في المهن الخطرة. وإيجاد آليات تشريعية وسياساتية تعمل على تعزيز عدالة الرواتب التقاعدية وتقليص الفجوة، ووضع أسقف للرواتب الفلكية: إذ لا يعقل أن يتقاعد البعض برواتب خيالية تستنزف الصندوق، بينما تتقاضى الأغلبية رواتب دون المتوسطة أو الضعيفة. بما يشمل تحقيق توازن مالي واجتماعي من خلال ربط رواتب التقاعد بالتضخم بطريقة يستفيد منها أصحاب الرواتب المتدنية أكثر من غيرهم، لضمان تعزيز القوة الشرائية لذوي الرواتب المتوسطة والمتدنية، وحمايتهم من غلاء المعيشة.
خامساً: رفع معدل العائد على استثمار أموال الضمان: فالاستدامة تعتمد بشكل كبير أيضاً على أداء صندوق استثمار أموال الضمان،
وحوكمته، وكفاءة التوزيع الاستراتيجي للمحافظ الاستثمارية. واستقلالية القرار الاستثماري بعيداً عن أي ضغوطات، وفي إطار فاعل من المساءلة والشفافية ومنع تضارب المصالح. واعتقد أنه لا بد من رفع معدل العائد على الاستثمار ليتراوح ما بين 9% إلى 12% على الأقل وفقاً للمتطلبات الإكتوارية.
سادساً: حوكمة التنظيم القانوني والإداري لمؤسسة الضمان، باستحداث منصب قيادي موحّد على رأس المؤسسة ( المحافظ ) لتحديد المساءلة والمحاسبة وحوكمة مجلس إدارتها بالخروج عن النموذج التقليدي في تشكيلة المجلس إلى النموذج الحديث بضم أعضاء من ذوي الخبرات الفنية في المجالات الإكتوارية والتأمينية والاستثمارية، مع الحفاظ على التمثيل الثلاثي المشروط بالكفاءة أيضاً.
وحذّر الصبيحي من أن تؤدي تعديلات القانون المرتقبة إلى خفض مستوى الحماية الاجتماعية أو التأثير سلباً على حقوق المؤمّن عليهم ولا سيما الفئات الضعيفة، وأن تؤثر على الثقة بالنظام التأميني، ومن ذلك رفع سن التقاعد الوجوبي بما له من تداعيات اقتصادية واجتماعية لا يحمد عقباها، والمبالغة في نسب الخصم من راتب التقاعد المبكر، والشمول الجزئي بالتأمينات، وزيادة شروط التقاعد للعاملين في المهن الخطرة، ورفع كلفة شراء مدة خدمة افتراضية، وتخفيض قيمة تعويض الدفعة الواحدة لغير مستكملي شروط التقاعد، داعياً أن تُراجَع التعديلات بحصافة وأن تتسم بالعدالة والموضوعية.
وشهد اللقاء نقاشاً مستفيضاً شارك فيه عدد من أعضاء الهيئة التدريسية وطلبة الحقوق في الجامعة.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي