د. محمد رسول الطراونة : البرنامج الأردني لسرطان الثدي.. قصة نجاح وطنية في الكشف المبكر
في نموذج رائد للشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، يواصل البرنامج الأردني لسرطان الثدي تحقيق إنجازات نوعية جعلت من الكشف المبكر عن سرطان الثدي أولوية صحية وطنية، وساهمت في إنقاذ آلاف الأرواح، حيث كشف التقرير السنوي للبرنامج لعام 2025، الذي تقوده مؤسسة ومركز الحسين للسرطان بالتعاون مع وزارة الصحة، عن قفزات ملموسة في مجال الكشف المبكرعن سرطان الثدي، الركيزة الأساسية لرفع نسب الشفاء وخفض تكاليف العلاج، فمنذ تأسيسه، تبنى البرنامج نهجاً شاملاً يرتكز على ثلاثة محاور: توسيع نطاق الوصول إلى خدمات الفحص عالية الجودة، رفع الوعي المجتمعي، وبناء قدرات الكوادر الطبية والفنية لضمان الاستدامة.
سجل البرنامج إنجازاً لافتاً تمثل في زيادة نسب الإقبال على فحوصات سرطان الثدي بنسبة 69% خلال خمس سنوات فقط (2021-2025)، مما يعكس ثقة المرأة الأردنية بخدمات البرنامج وفعالية حملات التوعية. ولإزالة الحواجز المالية، تم تقديم حوالي خمسة الاف فحص ماموغرم مجاناً للنساء غير المقتدرات، إلى جانب توفير وسائل النقل للنساء في المناطق النائية، كما دخلت خدمات الكشف المبكر لأول مرة إلى مناطق ريفية في بعض محافظات الجنوب.
أدرك القائمون على البرنامج أن الكشف المبكر لا ينجح دون تغيير المفاهيم الخاطئة وكسر حاجز الخوف والوصمة، فركزوا على أنشطة توعوية مبتكرة وصلت خلال عام 2025 إلى مئتي الف فردً في مختلف المحافظات، و شملت هذه الأنشطة الاف المحاضرات التوعوية التي استهدفت ما يزيد على 160 الف شخص، وحوالي 12 ألف زيارة منزلية وصلت من خلالها إلى حوالي 20 الف امرأة، حيث شكلت الزيارات المنزلية أداة فعالة للوصول إلى النساء في بيوتهن وتقديم المعلومة الدقيقة. كما تم تدريب العديد من الناجيات من المرض ضمن برنامج "دعم الناجيات" ليصبحن سفيرات للأمل ومبشرات بالكشف المبكر في مجتمعاتهن، إضافة إلى إعداد أدوات توعوية مخصصة بطريقة "بريل" ولغة الإشارة للأشخاص ذوي الإعاقة.
في أكتوبر 2025، قاد البرنامج الحملة الوطنية للتوعية بسرطان الثدي تحت شعار "أنتِ الأهم... افحصي"، بالتزامن مع الحملة الإقليمية العاشرة بمشاركة 16 دولة عربية، بينها السعودية والإمارات ومصر والعراق وفلسطين، لم تكن الحملة مجرد فعاليات عابرة، بل استراتيجية متكاملة حققت أثراً واسعاً: تعرض أكثر من سبعة ملايين شخص لرسائلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخضع ستة الاف امرأة لفحص الماموغرام، واستفادت حوالي 28 الف امرأة من الفحص السريري المجاني للثدي.
إيماناً بأن الخدمات المتطورة تحتاج أيادي ماهرة، كان الاستثمار في الكوادر الطبية والفنية محورياً في استراتيجية البرنامج. ففي عام 2025، تم تدريب حوالي خمسمئة من مقدمي الرعاية الصحية على الفحص السريري للثدي باستخدام المحاكاه، وتأهيل 52 أخصائي أشعة من وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والقطاع الخاص في تقنيات الموجات فوق الصوتية للثدي، وإطلاق زمالة تصوير الثدي لاختصاصيي الأشعة في مركز الحسين للسرطان، كما تم تدريب العديد من الفنيين على ضمان جودة أجهزة الماموغرام، إضافة إلى عقد عدة جلسات علمية، استفاد منها المئات من مقدمي الرعاية الصحية تناولت أحدث المبادئ التوجيهية في الكشف المبكر والرعاية المتعددة التخصصات.
لم يقتصر دور البرنامج على تقديم الخدمات، بل أسس قاعدة بيانات وطنية للماموغرام كأداة استراتيجية لجمع وتحليل المؤشرات الخاصة بالكشف المبكر، لدعم السياسات القائمة على الأدلة، حيث تم توزيع 37 جهازاً لوحياً على وحدات التصوير التابعة لوزارة الصحة مع تدريب الكوادر على استخدام المنصة الإلكترونية، مما حسن دقة البيانات وسرعة إدخالها.
يشكل نموذج الشراكة متعددة القطاعات جوهر نجاح البرنامج، حيث نجح إلى جانب شراكته مع وزارة الصحة في جذب دعم من جهات محلية ودولية متنوعة، كما حظي البرنامج بتقدير واسع على المستويين الإقليمي والدولي؛ فشارك في المؤتمر الثامن لجودة الرعاية الصحية الذي نظمه مجلس اعتماد المؤسسات الصحية وقدم ثلاثة ملصقات علمية تناولت تجربة الأردن في تحسين جودة وحدات تصوير الثدي وتقييم إمكانية الوصول إلى الخدمات والحلول المبتكرة لتعزيز العدالة في الفحص. كما نُشر مقال تحليلي بعنوان "النهج الأردني في الكشف المبكر عن سرطان الثدي" في منصة "AIBMENA" للسياسات الدولية، عرض التجربة الأردنية كنموذج يُحتذى به للدول ذات الموارد المحدودة، مؤكداً أن الاستثمار في الكشف المبكر يحسن النتائج العلاجية ويخفض التكاليف.
يبقى البرنامج الأردني لسرطان الثدي منارة أمل وشهادة حية على أن الرعاية الصحية العادلة والشاملة يمكن تحقيقها بالإرادة والشراكة والكفاءة.
*أمين عام المجلس الصحي العالي