استيقظ هادرا بعد 1000 عام من السبات!
في 30 مارس 1956، ارتفعت أعمدة الرماد فوق بركان "بيزيمياني" إلى أكثر من 40 كيلومترا، فيما ملأت تدفقات الطين مجرى نهر كامتشاتكا، أكبر أنهار شبه الجزيرة.
في ذلك اليوم، استيقظ بركان "بيزيميانني" فجأة بعد أكثر من قرن من الخمول، في شبه جزيرة كامتشاتكا الواقعة في أقصى شرق روسيا، ولحسن الحظ نجت بأعجوبة من قوته المدمرة قرية "كليوتشي" القريبة، التي كان يسكنها سبعة آلاف شخص.
حتى عام 1956، كان بركان "بيزيميانني" يُعتبر خامدا، إذ يعود آخر نشاط مُسجل له إلى أكثر من ألف عام. لم يتوقع أحد أن يستيقظ مجددا، ولا أن يكون بهذه القوة. كان ثورانه قبل سبعين عاما من بين أكبر عشرة ثوران بركاني في القرن العشرين.
أُطلق على هذا النوع من الثوران لاحقا اسم "الانفجار الموجه"، وهو قذف رأسي هائل الطاقة. بلغ من قوته حد جعل الجزء العلوي من البركان، الذي يبلغ ارتفاعه 250 مترًا، يتبخر بكل معنى الكلمة، فيما تصاعد الرماد إلى ارتفاع 40 كيلومترا.
وفقا لمعهد علم البراكين والزلازل التابع لأكاديمية العلوم الروسية، بلغت قوة الثوران نحو 3 مليارات طن من مكافئ مادة "تي إن تي"، وهو ما يُقارن بقوة قنبلة نووية حرارية كبيرة. نتيجة لهذا الثوران الهائل، تشكَّلت عند قمة البركان فوهة عملاقة على شكل حدوة حصان، أشبه بمدرج يبلغ عرضه حوالي 1.3 كيلومتر وعمقه 400 متر. عند السفح الشرقي لبركان "بيزيمياني"، وعلى مساحة 500 كيلومتر مربع، حطمت الموجة الانفجارية أشجارا يتراوح قطرها بين 25 و30 سنتيمترا، وقذفت بها بعد اقتلاعها لمسافة تصل إلى 25 كيلومترا من فوهة البركان، في حين بلغ حجم المواد المقذوفة من الانفجار الموجه كيلومترا مكعبا، وتراوحت سرعة القذف بين 300 و500 متر في الثانية.
في أعقاب الانفجار، ارتفعت سحابة بركانية محملة بالرماد إلى ارتفاع تراوح بين 35 و40 كيلومترا، وبدأت في الانتشار لمسافة 5 كيلومترات باتجاه الشمال الشرقي. من الحقائق البارزة حول ثوران هذا البركان أنه كان الأول من نوعه في المنطقة منذ عام 1697، فيما تفيد دراسات متخصصة أن بيزيمياني استيقظ بعد فترة خمول دامت ألف عام. قبل الثوران، كان البركان يظهر على شكل مخروط منتظم ارتفاعه 3085 مترا، وهو بركان طبقي يتميز بقمة وقباب بركانية فرعية. بدأ الثوران في 22 أكتوبر 1955، إثر سلسلة من الزلازل استمرت 23 يوما، وكانت مرحلة ما قبل الذروة حتى 30 مارس 1956 متوسطة الشدة.
يعود سبب الثوران الكارثي في 30 مارس 1956 إلى انهيار المنحدر الشرقي للبركان بحجم 0.5 كيلومتر مكعب، إذ تحول هذا النشاط إلى انهيار جليدي بارد من الحطام بسرعة تجاوزت 60 مترا في الثانية. أعقب هذا الانهيار مباشرة انفجار كارثي موجه، حيث أدى الانهيار إلى انخفاض حاد في "الضغط الليثوستاتيكي" على الصهارة التي تغلغلت في البركان خلال المرحلة السابقة للذروة. الضغط الليثوستاتيكي هو ضغط هائل ومتساو من جميع الاتجاهات، ناتج عن وزن الصخور التي تغطي نقطة معينة في باطن الأرض.
وصف علماء البراكين السوفييت لاحقا جحيم بركان "بيزيمياني" من الداخل، مشيرين إلى أن الحمم البركانية المتدفقة على شكل سحب من الغاز والرماد، التي بلغت حرارتها 800 درجة، ممزوجة بشظايا صخرية، اندفعت عبر غابات التايغا بسرعة 150 كيلومترا في الساعة، مكتسحة كل شيء في طريقها.
اللافت أن ثوران هذا البركان في 30 مارس 1956 كان لحظة فارقة في علم البراكين السوفيتي. أفضى الحادث إلى مراجعة جميع أساليب رصد البراكين، وفي ستينيات القرن الماضي ظهر أول نظام للإنذار المبكر للانفجارات البركانية في الاتحاد السوفيتي، وجرى تطوير منهجية التنبؤ استنادا إلى البيانات الزلزالية، وتم بناء شبكة متكاملة من 15 محطة مراقبة في كامتشاتكا.
اليوم، يُعد بيزيمياني واحدا من أكثر البراكين دراسة في العالم، وهو تحت مراقبة دقيقة على مدار الساعة بواسطة الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والمحطات الآلية.
عندما ثار البركان مجددا في عام 2020، تمكن العلماء من تحذير سكان قرية كليوتشي القريبة من الخطر الوشيك قبل 72 ساعة. وفي تلك المناسبة، تصاعد عمود من الرماد إلى ارتفاع 10 كيلومترات فوق سطح الأرض. بعد ذلك، استيقظ البركان المضطرب مرتين أخريين في عامي 2022 و2023، ثم عاد إلى سباته، وإن إلى حين.
المصدر: RT