الأخبار

عماد عبد الرحمن : حلقة مفرغة من التصعيد

عماد عبد الرحمن : حلقة مفرغة من التصعيد
أخبارنا :  

في الوقت الذي تنشغل فيه إسرائيل بحروبها المفتوحة إقليمياً، تتصاعد في الضفة الغربية المحتلة أزمة من نوع مختلف، أقل ضجيجاً لكنها أكثر خطورة على الوضع الداخلي، فما يحدث كل يوم لم يعد مجرد احتكاكات تقليدية بين جيش الاحتلال والمستوطنين من جهة والمواطنين الفلسطينيين العزل من جهة أخرى، إذ أصبح الوضع يتجه نحو حالة اعتداءات صارخة تنذر بتصعيد خطير، خصوصاً بعد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بـ"محو الحدود"، بما يعكس انتقال الفكر الاستيطاني من الهامش إلى مستوى القرار السياسي.

ما يحدث في الضفة الغربية تحول خطير في هذه المرحلة من الصراع نحو تنفيذ أحلام إسرائيل بضم الضفة الغربية، فلم يعد العنف الاستيطاني سلوكاً هامشياً تمارسه مجموعات متطرفة أو معزولة، بل أضحى جزءاً من مناخ سياسي وإيديولوجي إسرائيلي متطرف، يجد غطاء في الخطاب الرسمي، وصولاً إلى مرحلة جديدة عنوانها إلغاء الإطار القانوني والإداري القائم في الضفة الغربية.

هذا الإجراء يطبق في ضوء انشغال العالم بما يجري من حروب مفتوحة في إيران والمنطقة بشكل عام، حتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت ترى في هذه الاستراتيجية عبئاً ميدانياً واستنزافاً يضاف لاستنزاف الجبهات الخارجية، فعند تأسيس كل بؤرة استيطانية جديدة يعني الأمر مزيداً من القوات والحماية والعبء الأمني، وبالتالي مزيدا من الاحتكاك واحتمالات الانفجار في قلب الساحة الفلسطينية، وهو ما لا يريده الجيش الإسرائيلي الذي ينخرط بمواجهات كبرى في أكثر من ساحة إقليمية.

الأمر اللافت أيضا، التداخل الحاصل بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، فلم يعد الأمر مقتصراً على التقاعس أو التغاضي عن عنف المستوطنين، وتعدياتهم اليومية على العائلات الفلسطينية بل تعداه، وفقاً لتقارير ميدانية، الى التسامح أو التواطؤ الصامت مع المستوطنين، من قبل الجيش الإسرائيلي، وهو ما يعني فتح الباب أمام تأسيس ميليشيا إستيطانية تنتهج العنف من أجل تحقيق مآربها في السيطرة على ممتلكات الفلسطينيين من خلال الإرهاب وإستخدام القوة المحمية بالقوات الإسرائيلية المدججة بالسلاح.

ما لا تدركه إسرائيل، إن رغبتها بتوسيع الاستيطان وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة على الأرض، وفي نفس الوقت الحفاظ على الاستقرار الأمني ومنع انفجار الضفة الغربية، أمر مستحيل الحدوث، فالتوسع الاستيطاني يولد بالضرورة إحتكاكا دائماً، كما ينتج مقاومة فلسطينية، ما يعني تطور في المواجهة وتصعيد لا يمكن التحكم بنتائجه.

إسرائيل تنسى أن أي تطور على صعيد الضفة الغربية يؤدي لانعكاسات دولية لا تصب في مصلحتها في هذا الوقت بالذات، فالعالم يراقب الأوضاع في الداخل، وقد تصاعدت حدة الانتقادات الأوروبية والأمريكية بما في ذلك ما ورد على لسان وزير الخارجية الأمريكي مركو روبيو، الذي أشار إلى أن الواقع في الضفة الغربية بدأ يتحول الى نقطة تصادم واحتكاك مع إسرائيل (الحليف الأهم)، بالنسبة للولايات المتحدة، مع ما يعنيه ذلك من تآكل متزايد في الشرعية الدولية لإسرائيل، خصوصاً في نظر واشنطن، وهو ما يدفع إسرائيل لإعادة النظر بسياساتها في الضفة الغربية، ولجم تغول المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين العزّل.

في ضوء ذلك، تبدو الضفة الغربية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها فقدان السيطرة التدريجي. فحين تتحول الشعارات الأيديولوجية إلى سياسات ميدانية، وحين يتراجع دور الدولة لصالح قوى ميليشيات "فتيان التلال"، فإن النتيجة الحتمية هي مفتوحة على كل الاحتمالات، من التصعيد المحدود إلى الانفجار الشامل.

السؤال المطروح الآن، ليس ما إذا كانت الضفة ستشهد تصعيداً، بل متى وكيف سيكون هذا التصعيد، ومن سيملك القدرة على احتوائه في ظل هذا التآكل المتسارع في قواعد اللعبة؟ .

مواضيع قد تهمك