الأخبار

عاطف أبوحجر يكتب : كرنفال الأخبار

عاطف أبوحجر يكتب : كرنفال الأخبار
أخبارنا :  

عاطف ابوحجر
قبل أيام، قررت إحدى القنوات العربية أن تستعرض عضلاتها الإعلامية، لا برفع الصوت ولا بكسر الأخبار، بل بفتح اثنتي عشرة نافذة دفعة واحدة. مذيع في الاستوديو، واثنا عشر مراسلاً في الميدان، موزعين على خارطةٍ تبدو كأنها لوحة شطرنج دولية… أو كأنها محاولة جادة لإثبات أن زر "Split Screen” لم يُخلق عبثًا.

وبحكم خبرتي المتواضعة بتقديم مجموعة من البرامج التلفزيونية المباشرة ومرافقة زملائي من المخرجين والفنيين، أستطيع أن أصف المشهد، للوهلة الأولى، بالمهيب. حركة، أصوات، عواصم، تقارير، ووجوه تتحدث في وقتٍ واحد، أو تكاد. لكن، وبما أننا نعمل في الإعلام ونعرف ما خلف الكواليس أكثر مما يظهر على الشاشة، فإن هذا العرض ليس مجرد "استعراض عضلات”، بل تمرين شاق في التنسيق، ودقة التوقيت، وإدارة الفوضى بأناقة.

اثنتا عشرة نافذة لا تعني اثنتي عشرة فوضى، بل اثنتي عشرة مسؤولية. كل مراسل ينتظر دوره، كل إشارة محسوبة، كل ثانية بث لها ثمن. غرفة التحكم تتحول إلى ما يشبه قمرة قيادة طائرة وسط عاصفة، والمخرج، المسكين، ليس أمامه خيار سوى أن يضرب أخماسًا بأسداس… وربما يضيف سباعيات وثمانيات إن لزم الأمر.

ومن هنا، يصبح من المعيب – نعم، المعيب – أن يتحول هذا الجهد إلى مادة للسخرية أو "التخويث” الإعلامي. ليس لأن العمل كامل أو بلا أخطاء، بل لأن من يفهم المهنة يدرك أن مجرد نجاح التجربة – حتى لو شابها بعض الارتباك – هو إنجاز بحد ذاته.

وبلا مؤاخذة، في بعض القنوات، حين يُفتح نافذتان فقط، يدخل المخرج في حالة وجودية عميقة: من يتكلم أولًا؟ ومن يُسكت الثاني؟ وكيف نخرج من هذا المأزق دون خسائر بشرية في كرامة البث المباشر؟ فكيف الحال باثنتي عشرة نافذة؟

السخرية سهلة، والتهكم أرخص من إنتاج فكرة. لكن المهنية الحقيقية ليست في اصطياد الهفوات، بل في فهم حجم العمل. ومن كان سويًا في هذه المهنة، يدرك أن احترام جهد الآخرين ليس خيارًا تجميليًا، بل جزء من أخلاقيات اللعبة.

باختصار: إن لم تستطع فتح اثنتي عشرة نافذة… فلا تُطفئ شمعة من استطاع.

مواضيع قد تهمك