الأخبار

القس سامر عازر : الكأس الملآن يفيض بركة "كأسي ريّا"

القس سامر عازر  : الكأس الملآن يفيض بركة كأسي ريّا
أخبارنا :  

القس سامر عازر

في عمق التجربة الإنسانية، لا يُقاس الإنسان بما يملك في يده، بل بما يفيض من داخله. فالحياة ليست وعاءً خارجيًا نملؤه بالأشياء بقدر ما هي كأسٌ داخلي، إن لم يمتلئ بالمعنى والعلم والروح والقيم، يبقى فارغًا مهما بدا من الخارج ممتلئًا. وقد تبدو الحياة في ظاهرها غنية، لكنها في حقيقتها جافة، لأن الامتلاء الحقيقي ليس في الكثرة بل في العمق.

يعبّر داود النبي في سفر المزامير عن هذا الامتلاء بكلماتٍ تختصر سرّ الحياة حين يقول: "مسحتَ بالدهن رأسي، كأسي رَيّا". إن الكأس هنا ليس مجرد صورة شعرية، بل هو الإنسان ذاته حين يمتلئ من حضور الله ونعمته. والامتلاء في هذا السياق ليس غاية بحد ذاته، بل بداية الفيض، لأن ما يمتلئ من الله لا يبقى محصورًا، بل يتدفق حياةً وبركةً لمن حوله.

الكأس الفارغ لا يفيض، وهذه حقيقة بسيطة لكنها قاسية. حياتنا إن كانت فارغة فكرًا تصبح سطحية، وإن كانت فارغة علمًا تصبح عاجزة، وإن كانت فارغة روحًا تصبح قاسية وجافة. الإنسان لا يستطيع أن يعطي ما لا يملك، ولا يمكن أن يكون مصدر نور إن كان يعيش في داخله ظلامًا. لذلك، فإن الامتلاء ليس ترفًا، بل ضرورة، لأن الحياة التي لا تمتلئ لا تستطيع أن تفيض.

ومن هنا نفهم عمق الحكمة القائلة إن الإناء ينضح بما فيه. ما يسكن داخل الإنسان هو ما يخرج منه. إن امتلأ قلبه بالسلام، نشر سلامًا، وإن امتلأ قلقًا، بثّ قلقًا، وإن امتلأ محبةً، صار حضوره عزاءً للآخرين. أحيانا ليست المشكلة في قلة العطاء، بل في قلة الامتلاء. نحن لا نعطي أقل لأننا بخلاء، بل لأننا في كثير من الأحيان فارغون من الداخل.

وإذا نظرنا إلى واقعنا من حولنا، نجد أن الطبيعة نفسها تعلّمنا هذا الدرس. فالسدود في الأردن، مثل سد الملك طلال وسد الوالة وسد التنور وسد الموجب، لم تفض في هذا الموسم إلا لأنها امتلأت حتى تجاوزت قدرتها على الاحتواء. هذا الفيض لم يكن خسارة، بل صار مصدر حياة، إذ انطلقت المياه لتغذي الأرض وتنعش الأودية وتعيد ملء المياه الجوفية، بل وتجد طريقها نحو البحر الميت. الامتلاء الحقيقي لا يبقى ساكنًا، بل يتحول إلى عطاء يتجاوز حدود الذات.

هكذا أيضًا الإنسان، حين يمتلئ من نعم الله، لا يستطيع إلا أن يفيض. هذا الفيض ليس استعراضًا ولا تكلّفًا، بل هو نتيجة طبيعية لحياة مشبعة. الامتلاء من الله يحرر الإنسان من الخوف من النقص، فيعطي دون حساب، ويحب دون شروط، ويخدم دون انتظار مقابل. أما الإنسان الفارغ، فيعيش دائمًا في حالة خوف، لأنه يشعر أن ما لديه قليل وقد ينفد، فينغلق بدل أن ينفتح.

إن دعوتنا اليوم ليست فقط أن نطلب من الله أن يملأ حياتنا، بل أن نتهيأ نحن لهذا الامتلاء. أن نفتح عقولنا للمفكر وللمعرفة، وقلوبنا للمحبة، وأرواحنا لحضوره. لأن الكأس المغلق لا يُملأ، والنفس التي تكتفي بالمظاهر لا تعرف عمق الامتلاء. نحن بحاجة إلى عمق، لا إلى مزيد من السطح.

في عالمٍ يكثر فيه الضجيج ويقل فيه المعنى، يصبح الامتلاء الداخلي فعل مقاومة. مقاومة للفراغ، وللتفاهة، وللاستهلاك الذي ينهك الإنسان دون أن يغذّيه. والإنسان الممتلئ هو وحده القادر أن يكون نورًا في هذا العالم، لا بكثرة ما يملك، بل بصدق ما يفيض منه.

في النهاية، الكأس الذي يملؤه الله لا يبقى ساكنًا، بل يفيض. يفيض رجاءً في زمن اليأس، ويفيض سلامًا في قلب الاضطراب، ويفيض محبةً في عالمٍ أنهكته القسوة. وهكذا تتحول حياتنا من أوعية تبحث عمّن يملأها، إلى ينابيع حيّة تعطي دون أن تنضب، لأن مصدرها لم يعد من هذا العالم، بل من ذاك الذي يملأ كل شيء بركته.

مواضيع قد تهمك