الأخبار

القس سامر عازر : ميشيل الصايغ: ماهو مصير العالم للمستقبل؟!

القس سامر عازر  : ميشيل الصايغ: ماهو مصير العالم للمستقبل؟!
أخبارنا :  

القس سامر عازر

في تعليقٍ لافت لسعادة السيد ميشيل الصايغ ردًا على مقالي بعنوان: "ما بين السيد المسيح وجنكيز خان بَوْنٌ كبير"، كانت كلماتُه أكثر من مجرد رأي، بل صرخة قلقٍ إنسانيٍّ عميق تُلامس وجدان كل من يتأمل مسيرة هذا العالم المضطرب. جاء في تعليقه:

إن التاريخ، في كثير من محطاته، يبدو وكأنه شهادة على غلبة الشر على الخير، وأن الإنسان، رغم ما ينطق به من شعارات المحبة والأخوّة، يحمل في داخله نزعةً شريرةً عميقة. ويتساءل بمرارة: هل هذا طبعٌ في الإنسان أم نتيجة واقعٍ فاسد؟

ويمضي في تعليقه ليشير إلى أن ما نشهده اليوم، وحتى عبر التاريخ، قليلٌ فيه ما بُني على الرحمة الحقيقية والأخوة والإنسانية، وأن الدين كثيرًا ما بدا في مظاهره أكثر منه في جوهره. بل إن الديانات نفسها، في محطات عديدة، كانت سببًا في صراعات لم تنتهِ بعد.

ويختم بتساؤلٍ ثقيل: كيف سيكون مصير هذا العالم، في ظل استمرار الحروب القائمة على الطمع والاستغلال والمصالح؟

تعليقي: بين واقعية الألم ورجاء الإيمان
أولًا: لا يمكن إنكار أن الصراعات والحروب تكاد تكون جزءًا من تاريخ البشرية، وغالبًا ما ارتبطت بالسعي إلى السيطرة على الثروات والنفوذ. إلا أن الأخطر في هذه المعادلة هو تسييس الدين وتوظيفه لتبرير العنف، إذ تُرفع راياته لتُكسب الحروب شرعية زائفة وتُضلّل عقول البسطاء. وهنا تتحقق كلمات المهاتما غاندي: "الدين الذي لا يقود إلى المحبة هو دينٌ أسيء فهمه."
ثانيًا: إن الكتاب المقدس يقدّم تشخيصًا واقعيًا للطبيعة البشرية حين يقول: "لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته" (تك ٢١:٨). فالصراع بين الخير والشر ليس مجرد فكرة فلسفية، بل هو اختبار يومي في داخل كل إنسان. وقد يبدو أحيانًا أن الشر هو الأقوى، وأنه يفرض منطقه على مجرى التاريخ.
لكن الإيمان المسيحي لا يقف عند هذا الحدّ، بل يتجاوزه برجاء عميق. فكما يقول القديس أوغسطينوس: "الشر ليس قوة مستقلة، بل هو غياب الخير."

ومن هنا، فإن انتصار الخير ليس وهمًا، بل وعد إلهي، حتى وإن تأخر تحققه في نظرنا. ويبقى السؤال الإنساني المؤلم حاضرًا: لماذا يصمت الله أحيانًا أمام الظلم؟ وهو سؤال مشروع، لكنه لا يلغي حقيقة أن الله يعمل في عمق التاريخ، حتى حين لا نراه.
ثالثًا: اما على صعيدنا الكنسي، فلا بد من وقفة صادقة. إذ إن الخطر لا يكمن فقط في العالم، بل أيضًا في الداخل، حين يتحول الإيمان إلى مظهر، والعبادة إلى عادة، والكنيسة إلى إطارٍ بلا روح. وهنا تبرز صرخة الأم تيريزا التي تقول: "ليس المهم كم نعمل، بل مقدار المحبة التي نضعها في العمل." فالكنيسة مدعوة لأن تكون شهادة حيّة للمحبة، لا مجرد حارسٍ لتقاليد.

في الختام أقول، القلق على مصير العالم مشروع، بل هو علامة وعيٍ حيّ. لكن الاستسلام لهذا القلق ليس خيارًا إيمانيًا. فبين واقعية الألم ورجاء الإيمان، يبقى الإنسان مدعوًا لأن يكون في صفّ الخير، وأن يزرع بذور السلام حيثما وُجد.
فالعالم لا يتغيّر دفعةً واحدة، بل يبدأ بتغيير القلب... ومن القلب يمتدّ النور.

مواضيع قد تهمك