سلطان الحطاب : من الفزعة الى الدفاع عن الأمة
حين وقع الهجوم في الدوحة حماها الله نتاج العدوان الاسرائيلي العام الماضي، تدفق في الشارع سيارات إسعاف وغيرها...
لفت انتباهي الكتابة على السيارات التي وصلت بداية بكلمة كبيرة (فزعة) وهي كلمة بدوية وذات جذر عربي فصيح وقد وردت في لسان العرب ومعاجم اخرى وفي الشعر العربي القديم وفي حماسة ابي تمام.
بداية استغربت استعمال هذه الكلمة، رغم انها دالة وذات معنى، و تعكس دلالة قبلية محدودة داخل القبيلة أكثر منها دلالة على حرب أو وقوف بجانب أمة او انتصار لشعب آخر.
ولا أخفي أنني سررت لاستعمال الكلمة باعتباري منحازا للتراث، وبدأت أسير خلف الدلالة اللغوية والمعنوية، ووجدت أن كلمة الفزعة في الشعر القديم تمثل قيمة اجتماعية لرفع الظلم أو الدفاع عن النفس والقبيلة، حيث ارتبطت الفزعة باغراض الفخر، والحماسة والمدح، وحيث يصور الشاعر سرعة استجابة قبيلة للنداء كدليل على القوة والنجدة والشجاعة، وكانت الفزعة وسيلة لحماية العرض والأرض ومواجهة الخصم لا يقبل فيها التخلف أو التبرير في مواجهة الخصم "شغلتنا اموالنا واهلونا فاستغفر لنا" كما جاء في تبرير المتخلفين عن الجهاد وليس من الضرورة عن العرب قبل الاسلام حين يقع الاشتباك، ان يستبين الفازع من الذي على حق قبيلته ام غيرها.. فهذا شيء آخر، ولكن عليه أن يفزع فقط ويهجم ويزيد من سرعة الخيل والرجال نحو ساحة المعركة مع الاشتباك، إذ أن الفزعة مع القبيلة كانت جزءا من مفاخر القبيلة وتبرز كصوت جمع الرجال الفزاع ومن هنا كثرت تسمية فزاع في دول الخليج تيمناً بذلك.
وقال الشاعر، وينسب في هذه الدلالة للشاعر جرير بن عطية الأموي، وهذا البيت جزء من قصيدة مشهورة له من ابياتها
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا.
ثم حين لا يرى الفزعة كافية لانقاذ إبله من قبيلة معتدية وأن الذين انقذوه هم من قبيلة اخرى، يغضب ويمدح بني مازن الذين فزعوا له ويعتب على قبيلته التي خذلته ويقول عن بني مازن مادحاً:
لو كنت من مازن لم يستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
اذاً لقام بنصري معشر خشن
عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
قاموا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته
سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
شدوا الإغارة فرسانا وركبانا...
نعم إنها الفزعة للمغلوب والمقهور والمظلوم وانها الكلمة الدالة التي استعملتها قطر في النجدة والانقاذ وهي تعادل في ادبياتنا ما نكتبه على سياراتنا هنا النجدة، وان كانت في قطر للدلالة اوسع، الاّ أنها ما زالت تنطق باسم القبيلة والدولة ونرجو أن تنطلق فزعات عربية اوسع باسم الامة كلها حين تتعرض للخطر، لتظل للكلمة الدلالة الواسعة وتظل لصيقة بالتراث الذي جاءت منه.
والفزعة عنصر مركب كما في لسان العرب، وقد يكون لها دلالات ايجابية لقول الرسول (ص) للانصار، (وانكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع).
اما في الدلالات السلبية فهي حين تكون الفزعة متعصبة عمياء لطائفة أو لجماعات مارقة.
قطر المقتدرة حماها الله وخليجنا العربي كله تستطيع أن توسع دلالات هذا المصطلح الجميل، ليصبح يغطي كل دول الخليج في مؤسسة على مستوى دول الخليج التي تواجه العدوان وأن يصبح ذلك برسم مساعدة شعوب الأمة العربية على مستوى الجامعة العربية لتكون مثل هذه المؤسسة بدلالاتها وليس فقط باسمها، قادرة على القيام بالعمل والواجب.
لقد ساهم الأردن كغيره في مفهوم الفزعة دون ان يتخلف ابدا مع الكثير، ووضع اسمه في المقدمة باعتزاز حين وقف الى جانب كثير من الدول التي واجهت العدوان او الزلازل او الحرائق، وضرب في ذلك المثل وما زال، في تقديم المساعدات حيث وجب.
ويبقي ان يتوسع المصطلح القطري الفزعة وبجهود عربية مشتركة ليشمل كل الامة ليكون الدفاع عن الامة واوطانها ويتقدم ذلك الدفاع عن الامن القومي العربي.
نعم للفزعة وما هو ابعد من الفزعة ولنلتف جميعا حول وطننا وقيادته، وتكون فزعتنا غيرة ومحبة ودفاعا عن الشرف والعرض والوطن تلك هي الفزعة التي ايقظتها قطر من اللغة. واحيتها للممارسة....