الأخبار

د. مهند النسور : موائد الرحمن… مائدة واحدة تجمع القلوب في شهر الرحمة

د. مهند النسور : موائد الرحمن… مائدة واحدة تجمع القلوب في شهر الرحمة
أخبارنا :  

مع حلول شهر رمضان تتجدد في المجتمعات الإسلامية صورٌ بديعة من التكافل الإنساني، لعلّ أبرزها ما يُعرف بـ موائد الرحمن؛ تلك الموائد التي تمتد في الشوارع والساحات والمساجد لتستقبل الصائمين عند الغروب، حاملةً معها رسالة محبة ورحمة تتجاوز حدود الطعام إلى معاني المشاركة والإنسانية.

 

في الدول العربية، أصبح تنظيم موائد الرحمن جزءاً أصيلاً من المشهد الرمضاني. ففي مصر، وخصوصاً في القاهرة، تمتد الطاولات الطويلة قبل أذان المغرب، ويتوافد إليها الناس من مختلف الفئات: عمّال، وطلاب، وعابرون، وأحياناً أسر كاملة، يجلسون جنباً إلى جنب بلا تمييز. وفي المملكة العربية السعودية تُقام موائد الإفطار الجماعية في ساحات المساجد الكبرى، وعلى رأسها المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، حيث يجتمع آلاف الصائمين يومياً. كما تأخذ المبادرات الخيرية في رمضان أشكالاً متعددة في المغرب والأردن وتونس، من موائد الإفطار الجماعية إلى توزيع الوجبات على المحتاجين وعابري السبيل، بما يعزز قيم التكافل والرحمة بين الناس.

أما في الدول غير العربية، فتنصب البلديات والمجتمعات المحلية خيام الإفطار لتستقبل الصائمين. ففي تركيا، وخاصة في المدن الكبرى مثل إسطنبول، تتحول الساحات العامة إلى ملتقى اجتماعي وروحي يجتمع فيه الصائمون حول مائدة واحدة. وفي باكستان وبنغلادش تُقام موائد الإفطار في المساجد والأسواق الشعبية، حيث يشارك الأهالي والمتطوعون في إعداد الطعام وتوزيعه على الصائمين، في مشهد يعكس روح التضامن المجتمعي والتعاون الإنساني.

إن موائد الرحمن ليست مجرد عمل خيري عابر، بل هي ثقافة اجتماعية تعكس روح الإسلام في أبهى صورها. فإطعام الصائمين لا يخفف عبء الجوع فحسب، بل يزرع في المجتمع قيماً أعمق من التعاطف والتعاون والمسؤولية المشتركة. وفي تلك اللحظات التي يرفع فيها الأذان ويبدأ الجميع بالإفطار، تختفي الفوارق الاجتماعية، ويصبح الجميع شركاء في لحظة إنسانية واحدة.

كما تحمل هذه الموائد رسالة تربوية مهمة للأجيال الجديدة. فالطفل الذي يرى والده أو مجتمعه يشارك في إعداد الطعام أو تقديمه للآخرين، يتعلم عملياً معنى العطاء، ويكتشف أن الخير ليس فكرة مجردة، بل فعل يومي يمكن أن يغير حياة الناس.

ولعلّ التحدي الحقيقي اليوم هو الحفاظ على هذا التقليد وتعزيزه، بحيث لا يبقى مجرد عادة موسمية، بل يصبح جزءاً دائماً من ثقافة التكافل في المجتمع. فالمبادرات الفردية والجماعية، إذا ما حظيت بالدعم والتنظيم، يمكن أن توسّع دائرة الخير لتصل إلى عدد أكبر من المحتاجين والمسافرين وعابري السبيل.

في النهاية، تبقى موائد الرحمن أكثر من مجرد طعام يُقدَّم عند الغروب؛ إنها دعوة مفتوحة للرحمة، وجسر إنساني يربط بين القلوب. وفي عالم يزداد فيه الانشغال والفردية، تظل هذه الموائد تذكيراً بسيطاً وعميقاً في آنٍ واحد: أن الخير ما زال حاضراً بين الناس، وأن مائدة واحدة قادرة على أن تجمع مجتمعاً بأكمله حول قيمة العطاء.

مواضيع قد تهمك