القس سامر عازر : التهديد والوعيد وتعاليم الموعظة على الجبل
القس سامر عازر
تشهد منطقتنا في هذه الأيام تصاعدًا مقلقًا في لغة التهديد والوعيد، يقابله تهديد مضاد، حتى باتت المنطقة كلها تقف على حافة انفجار واسع. والخطورة أن هذا التصعيد لم يعد مجرد سجال سياسي أو استعراض للقوة، بل تطور إلى حرب ضروس تتسع دوائرها شيئًا فشيئًا، وستكون ارتداداتها قاسية على شعوب المنطقة والعالم بأسره، لأن الحروب في عصرنا لم تعد محصورة في جغرافيا محددة، بل تمتد آثارها الاقتصادية والسياسية والإنسانية إلى أبعد مدى.
وسط هذا المشهد الملبّد بالقلق، ترتفع مناشدات العقل والضمير الإنساني مطالبة القوى السياسية المتصارعة بأن تتحلى بالمسؤولية التاريخية، وأن ترأف بشعوب المنطقة والعالم. فالشعوب ليست وقودًا لصراعات النفوذ، وليست ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية أو الجيواقتصادية. إن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الجلوسَ إلى طاولة الحوار، لأن الحوار هو الطريق الوحيد الذي يحفظ ما تبقى من إنسانية هذا العالم.
الحروب في حقيقتها ليست مقدسة كما يحاول البعض أن يصورها، بل غالبًا ما تكون انعكاسًا لصراعات المصالح والنفوذ، ولتنافس القوى على السيطرة والهيمنة. وفي خضم هذه الحسابات القاسية تضيع أصوات الشعوب، ويَدفع الأبرياء ثمنًا باهظًا من حياتهم ومستقبلهم وكرامتهم. لذلك لا يجوز التطاول على مقدرات الشعوب وخيراتها، ولا تحويل أوطانها إلى ميادين للصراع.
وهنا يأتي صوت الإنجيل المقدس ليضع الإنسان أمام معيار أخلاقي وروحي مختلف تمامًا عن منطق القوة والغلبة. فتعاليم السيد المسيح في الموعظة على الجبل لم تكن مجرد نصائح روحية، بل إعلانًا لثورة أخلاقية في فهم القوة والسلام والعدالة. لقد دعا السيد المسيح إلى سلام حقيقي ينبع من القلب ويتجسد في العلاقات بين البشر والشعوب. يقول في الإنجيل: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى 5: 9).
هذه التطويبة ليست شعارًا شاعريًا، بل دعوة إلى مسؤولية تاريخية: فصانعو السلام هم الذين يرفضون الانجرار وراء خطاب الكراهية، ويعملون على بناء الجسور بدل المتاريس. إن السلام ليس ضعفًا، بل هو شجاعة أخلاقية تتطلب رؤية بعيدة تتجاوز لحظة الغضب والانتقام.
إن ما نشهده اليوم في ظل الحرب الدائرة على إيران وما يرافقها من تصعيد إقليمي يذكّرنا بمدى هشاشة العالم عندما تُستبدل لغة الحكمة بلغة التهديد. فالحرب، مهما بدا أنها تحقق انتصارات عسكرية مؤقتة، تفتح أبوابًا طويلة من المعاناة وعدم الاستقرار. والتاريخ يشهد أن الحروب الكبرى غالبًا ما تبدأ بخطابات حادة ووعود بالردع، لكنها تنتهي بمآسٍ إنسانية يصعب احتواؤها.
وفي هذا السياق تبقى كلمات قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني صرخة ضمير للعالم حين قال:
"الحرب هي دائمًا هزيمة للإنسانية."
إن هذه العبارة تختصر الحقيقة المؤلمة للحروب، فحتى عندما يظن البعض أنه انتصر عسكريًا، تبقى الإنسانية كلها قد خسرت شيئًا من كرامتها وسلامها ومستقبلها. فالحرب لا تخلّف فقط دمار المدن والبنى التحتية، بل تزرع في النفوس خوفًا عميقًا وانكسارًا يصعب ترميمه.
إن رسالة الإنجيل تتجاوز حدود الطوائف والأديان لتخاطب الضمير الإنساني العام. فهي دعوة دائمة إلى المحبة والعدالة والمساواة، وإلى احترام حق الشعوب في الحرية والكرامة وحتى في تقرير مصيرها. فالسلام الحقيقي لا يقوم على إخضاع الآخرين، بل على الاعتراف بإنسانيتهم وحقوقهم.
إن بلادنا المقدسة، التي شهدت ميلاد الرسالات السماوية، ما تزال تحمل شهادة تاريخية لهذه القيم. فهذه الأرض التي سمعت كلمات المسيح عن محبة الأعداء ورفض العنف، تذكّر العالم بأن القتل واستباحة النفس البشرية لا يمكن أن يكونا طريقًا لبناء المستقبل. فالحضارة الإنسانية لا تقوم على أنقاض المدن المدمرة، بل على جسور التفاهم والمحبة والتعاون بين شعوب الأرض. ولعل الكلمة التي قالها مارتن لوثر كينغ الإبن تبقى صرخة ضمير تتردد في زمن الحروب: "إما أن نتعلم أن نعيش معًا كإخوة، أو نهلك معًا كحمقى."
إن خيار الإنسانية اليوم واضح: إما أن تختار طريق السلام والحوار، أو أن تدفع ثمنًا باهظًا من مستقبلها وأمنها واستقرارها. والرجاء أن ينتصر صوت الحكمة، لأن صانعي السلام وحدهم هم الذين يكتبون تاريخ الغد.