الأخبار

م . سعيد بهاء المصري : من مضائق الاختناق إلى ممرات الشبكة

م . سعيد بهاء المصري : من مضائق الاختناق إلى ممرات الشبكة
أخبارنا :  

لم تعد البدائل الحالية كافية، ولماذا يجب أن يتحول IMEC إلى ممر نقل وطاقة وبيانات معًا

لم تعد أزمة مضيق هرمز ومضيق باب المندب تُقرأ اليوم باعتبارها مجرد اضطرابات أمنية عابرة في الملاحة الدولية، بل باعتبارها إنذارًا استراتيجيًا يكشف خللًا بنيويًا في الطريقة التي نُظمت بها التجارة والطاقة بين الخليج وآسيا وأوروبا خلال العقود الماضية. فالاقتصاد العالمي، ولا سيما الاقتصادات الصناعية الغربية والآسيوية الكبرى، ما زال يعتمد بدرجات متفاوتة على عبور كثيف عبر نقاط اختناق بحرية محدودة العدد وعالية الحساسية. وفي حالة مضيق هرمز وحده، مرّ في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، بينما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن القدرة البديلة المتاحة حاليًا عبر المسارات البرية القائمة خارج الخليج لا تتجاوز تقريبًا 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا. وهذا يعني أن البنية البديلة الموجودة اليوم تخفف الصدمة، لكنها لا تستوعبها.

أما مضيق باب المندب والبحر الأحمر، فقد قدّما درسًا موازيًا لا يقل خطورة. فالهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر أدت إلى هبوط حاد في حركة التجارة عبر قناة السويس؛ وقدّر صندوق النقد الدولي أن التجارة العابرة للقناة انخفضت بنحو 50% في أول شهرين من عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع ارتفاع واضح في كلف الشحن والتأمين واضطرار العديد من الشركات إلى إعادة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح. معنى ذلك أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمرور النفط فقط، بل شملت أيضًا سلاسل الإمداد الصناعية والحاويات والبضائع الوسيطة التي يقوم عليها الاقتصاد الأوروبي والعالمي.

الدلالة الأعمق هنا أن العالم لم يعد يواجه مشكلة انقطاع مؤقت في ممر معين، بل مشكلة الإفراط في الاعتماد على ممرات أحادية الوظيفة. فمضيق هرمز يتركز فيه عبور الطاقة، ومضيق باب المندب يربط الطاقة والتجارة بقناة السويس، وأي اضطراب في أحدهما يدفع الحركة نحو الآخر أو يضاعف الضغط عليه. لذلك فإن الاكتفاء بالقول إن هناك بدائل قائمة لم يعد كافيًا. نعم، توجد بنية تحتية بديلة جزئية، لكن التجارب الأخيرة أظهرت أن هذه البدائل نفسها معرضة لمخاطر متكررة، وأنها لم تُصمم أصلًا لتحل محل النظام القائم بكامله، بل لتخفف العبء عنه جزئيًا.

خذ مثلًا خط الأنابيب السعودي شرق–غرب إلى ينبع، وخط حبشان–الفجيرة في الإمارات. هذان الخطان مهمان جدًا لأنهما يتيحان الالتفاف جزئيًا على مضيق هرمز، وقد استخدمت السعودية بالفعل خطها الشرقي–الغربي بصورة أكبر عندما اضطربت الملاحة حول مضيق باب المندب. لكن المشكلة أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تنهي منطق الاختناق؛ فهي تنقل جزءًا من الخطر من الخليج إلى البحر الأحمر أو إلى موانئ محددة، وتظل قدرتها الاستيعابية أدنى بكثير من أحجام التدفقات الأصلية التي كانت تمر عبر مضيق هرمز. أي أننا أمام بدائل تخفف الهشاشة، لكنها لا تنشئ منظومة حصانة كاملة.


ومن هنا يظهر الخطأ الشائع في التفكير الاستراتيجي: افتراض أن الحل يكمن في استبدال مضيق بمضيق، أو مسار بحري بمسار بحري آخر. هذا ليس حلًا، بل إعادة توزيع للهشاشة. فإذا جرى توسيع الاعتماد على البحر الأحمر فقط، عادت معضلة مضيق باب المندب. وإذا جرى الرهان على منفذ واحد خارج الخليج، أصبحت الدولة أو الميناء أو الأنبوب الجديد نفسه نقطة اختناق بديلة. أما إذا أريد بناء أمن تجاري وطاقي طويل المدى، فالمطلوب ليس "تحويلة” بل إعادة تصميم هندسة التدفقات الإقليمية على أساس الشبكة: شبكة بحرية وبرية ورقمية وطاقية، متعددة المسارات، متعددة الوظائف، وقادرة على الصمود حتى عندما يتعطل أحد أجزائها.

في هذا السياق تحديدًا تبرز قيمة ممر IMEC (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا). فمنذ الإعلان عنه في قمة العشرين عام 2023، لم يُطرح الممر باعتباره مجرد خط سكك حديدية أو مشروع شحن تقليدي، بل كممر متعدد الطبقات يشمل الربط بالموانئ والسكك، وكابلات الكهرباء والبيانات، وخطوطًا للهيدروجين النظيف. وقد وصفت الصياغات الرسمية للمشروع هذا البعد بوضوح: فالممر يهدف إلى تحسين الربط التجاري، وبالتوازي إنشاء بنية مرافقة لنقل الطاقة والبيانات، لا مجرد الحاويات والبضائع.

إذا فهمنا IMEC بهذه الطريقة، يصبح النقاش مختلفًا جذريًا. فالسؤال لم يعد: هل يستطيع الممر أن ينافس مسارًا بحريًا قائمًا؟ بل: هل يستطيع أن يعيد توزيع المخاطر بين طبقات متعددة من البنية التحتية؟ والإجابة هنا تميل إلى نعم، بشرط ألا يُختزل المشروع في سكة حديد أو في رواية سياسية رمزية. فالممر يمكن أن يحمل الشحن البري والبحري المدمج، ويمكن أن تُمد بمحاذاته كابلات بيانات رئيسية، ويمكن أن يرتبط بشبكات كهرباء إقليمية، ويمكن أن يستوعب على مراحل بنية لنقل الهيدروجين أو مشتقاته، بل ويمكن أن يخدم أيضًا بعض مقاطع الغاز إذا كان الهدف نقل الغاز الخليجي إلى ساحل المتوسط ثم تسييله وشحنه إلى أوروبا بدلًا من الإصرار على خط غاز واحد عابر للقارات حتى السوق الأوروبية نفسها.


وهنا بالذات يظهر البعد الاقتصادي الأهم للفكرة. فأوروبا لا تحتاج فقط إلى مزيد من السلع، بل إلى مزج جديد بين أمن الإمداد، وتنوع المسارات، وتقليل زمن التعطل، وتحصين سلاسل القيمة الصناعية. والخليج بدوره لا يحتاج فقط إلى تصدير أكثر، بل إلى تنويع مخارج التصدير وتقليل الارتهان لمسار وحيد يمر عبر مضيق هرمز. وبين الاثنين، يمكن لبلاد المشرق أن تتحول من هامش جغرافي مضطرب إلى بنية وسيطة منتجة للاستقرار، إذا جرى توظيف موقعها لا بوصفه ممر عبور فقط، بل كمجال للتخزين، والتسييل، والتحويل الصناعي، والربط الكهربائي، واستضافة مراكز البيانات، والموانئ الجافة، والمناطق اللوجستية الخلفية.

لكن نجاح هذا التحول يتطلب الاعتراف الصريح بأن البدائل الحالية غير كافية، رغم أنها موجودة ومهمة. فوجود أنبوب سعودي أو ميناء خارج الخليج أو خط سكة مقترح لا يعني أن المنطقة دخلت عصر الأمان اللوجستي. البنية القائمة ما زالت مجزأة، غير مترابطة بما يكفي، ومتأثرة بخلافات سياسية وأمنية حادة. وما لم تُدمج هذه العناصر في رؤية إقليمية متماسكة، سيبقى كل أصل من أصول البنية التحتية يعمل كجزيرة منفصلة، لا كجزء من شبكة تؤمن التدفق المستمر.

غير أن أي حديث عن إعادة رسم ممرات التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، أو تطوير مبادرات مثل ممر IMEC ليصبح منصة متعددة الخدمات للنقل والطاقة والبيانات، يظل ناقصًا إذا لم يتعامل بواقعية مع البيئة السياسية التي يتحرك داخلها. فالمشرق العربي ليس فراغًا جغرافيًا يمكن إسقاط مشاريع البنية التحتية عليه بمعزل عن تفاعلاته السياسية، بل هو أحد أكثر الأقاليم حساسية في العالم من حيث تشابك النزاعات والهويات والتحالفات. لذلك فإن أي تصميم طويل الأمد لممرات الطاقة والتجارة يفترض قدرًا من الاستقرار السياسي لا يمكن تحقيقه دون معالجة جذور الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وما يتفرع عنه من توترات تمتد إلى لبنان، وقد تتقاطع في مراحل لاحقة مع التوترات الأوسع بين إسرائيل وإيران.


إن التجارب التاريخية للبنية التحتية العابرة للحدود توضح أن نجاحها لا يقوم على الجدوى الاقتصادية وحدها، بل على وجود تفاهم سياسي إقليمي يضمن استمرارية المشروع عبر تغير الحكومات والأزمات. فخطوط الأنابيب، والممرات البرية، وكابلات الطاقة والبيانات، جميعها أصول طويلة العمر قد تمتد لعقود، ولا يمكن استثمار مليارات الدولارات فيها إذا كانت معرضة للتوقف مع كل جولة تصعيد عسكري أو توتر سياسي. ومن هنا يصبح تحقيق حد أدنى من التسويات السياسية أو الترتيبات الأمنية الإقليمية شرطًا مكمّلًا للتخطيط الاقتصادي، لا مسألة منفصلة عنه.

وفي هذا السياق، لا يكفي أن تنجح دولة أو دولتان في تأمين ممر معين داخل حدودهما، لأن الممرات العابرة للأقاليم بطبيعتها تتطلب التزامًا جماعيًا من الدول المتجاورة والمشاطئة على طول المسار. فالممر الذي يربط الخليج بالمشرق العربي ثم بالبحر المتوسط لن يحقق استقراره إلا إذا قامت الدول الواقعة على امتداده بتبني رؤية مشتركة تحترم مصالح الجميع وتضمن أمن الممر بوصفه منفعة إقليمية مشتركة لا ورقة ضغط جيوسياسية.

من هذه الزاوية، يمكن القول إن مضيق هرمز ومضيق باب المندب لم يعودا مجرد ممرين مهددين، بل تحولا إلى حجتين استراتيجيتين لصالح إعادة بناء ممرات المنطقة كلها. فالمشكلة لم تعد في المخاطر وحدها، بل في التكرار المنتظم لهذه المخاطر. وكلما تكرر التعطل في الممرات البحرية، ارتفعت قيمة البدائل البرية والرقمية والطاقية المتكاملة. وإذا استمرت المنطقة في إدارة هذه المسألة بعقلية رد الفعل، فستبقى تتحرك من أزمة إلى أزمة. أما إذا جرى الاستثمار في بنية ممرات جديدة متعددة الطبقات، فإن الأزمات نفسها قد تتحول إلى دافع لإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي على أسس أكثر استقرارًا ومرونة.

الخلاصة أن السؤال لم يعد هل نحتاج إلى بديل لمضيق هرمز ومضيق باب المندب، بل كيف نبني بديلًا لا يعيد إنتاج الهشاشة نفسها. والجواب الأقرب إلى الواقعية هو أن المستقبل ليس لممر أحادي جديد، بل لشبكة إقليمية تُدار عبر مزيج من النقل البري والبحري، وأنابيب الطاقة، والربط الكهربائي، وكابلات البيانات، ومراكز التخزين والتحويل، والمناطق اللوجستية. وفي هذا الإطار، يمكن لممر IMEC أن يكون أكثر من مشروع عبور؛ يمكن أن يصبح العمود الفقري لممر خدمات متكامل بين الخليج والمشرق والمتوسط وأوروبا. عندها فقط لا يكون المشروع مجرد طريق على الورق، بل بنية استراتيجية تقلل الاعتماد على المضائق، وتزيد مناعة التجارة، وتمنح المنطقة وظيفة جديدة في الاقتصاد العالمي.

مواضيع قد تهمك