عماد عبد الرحمن : هل هي حرب استنزاف طويلة؟
تؤشر معظم المعطيات والتحليلات للحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل وإيران، الى أن هذه الحرب لم تعد مواجهة عسكرية محدودة كما سابقتها في 2025، بل أضحت معركة حقيقية وصراع استراتيجي، ينذر بعواقب وخيمة إقليميا ودوليا، خصوصا أنه الضربات الأولية للحرب اعتبرت نهاية الحرب بعد أن تم اغتيال كبار القادة الإيرانيين بمن فيهم المرشد، لكن الوقائع خلصت الى ان هناك معالم حرب استنزاف طويلة قد ينتج عنها تداعيات سياسية وأمنية غير متوقعة.
الأسباب والمبررات لإشعال هذه الحرب كانت واضحة منذ البداية، خصوصا مسألة البرنامج النووي وتغيير النظام، ومنظومة الصواريخ بعيدة المدى، وقد اعتُمدت استراتيجية الضربة الإستباقية التي ألحقت أضرارا فادحة بالبنية التحتية والعسكرية لإيران، التي سرعان ما تمكنت من امتصاص الضربة الأولى، وتبني سياسة مختلفة بتوسيع نطاق الحرب والإعتداء على دول المنطقة، وتعطيل أهم منفذ بحري اقتصادي (مضيق هرمز)، وتحويل المعركة الى حرب إقتصادية تؤثر في مصالح دول العالم قاطبة، إضافة الى تحريك جزء من الأذرع الإقليمية، من خلال إطلاق يد حزب الله للضغط على إسرائيل.
هذا أدى بدوره الى ظهور بوادر تأثير إقتصادي على مستوى عالمي، فارتفعت أسعار النفط وأسواق الطاقة، وإضطربت سلاسل التوريد العالمية، في المقابل تواجه الأطراف ضغوطا متزايدة، ما بين ارتفاع كلف الإنفاق العسكري، وتضرر البنى التحتية بشدة نتيجة التوازن التقريبي في الضربات، إضافة الى أن مسار الحرب نفسه يرتبط الى حد كبير بحسابات سياسية داخلية خصوصا مع اقتراب الإستحقاق الانتخابي في الولايات المتحدة، وتأثيرات الحرب على المستهلك الأمريكي، غير المعني أصلاً بالحروب ما وراء البحار، لذلك أبدى الرئيس الأمريكي موقفا حاسما عندما تحدث عن نهاية الحرب، وإعلان النصر العسكري السريع، بعد الأضرار الفادحة التي لحقت بإيران وبنيتها التحتية المدنية والعسكرية، رغم عدم تحقق هدف إسقاط النظام، ووقف البرنامج النووي، ومشروع الصواريخ الباليستية.
الدول العربية، تواجه تحدياً كبيرا في هذه الحرب، فهي تريد أن تبقي على شعرة معاوية من النظام في إيران، وقد كان لها موقف واضح من الحرب قبل انطلاقها برفض هذه الحرب، كونها ليست طرفا في الصراع، وقد كان للأردن والسعودية خصوصا موقفا معلنا برفض إنطلاق أية اعمال عسكرية ضد إيران من أراضيها، رغم أنها ترتبط بتعاون عسكري واستراتيجي قديم مع الولايات المتحدة على الصعيد الثنائي، كما انها تريد أن تُبقي على القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع طهران للضغط لتجنب توسيع دائرة الصراع، مع ملاحظة أن الدول العربية قادرة على حماية أراضيها والرد على أي عدوان من أي طرف وبقوة.
في ضوء ذلك، وفي ظل استمرار غياب الحسم تبقى الأمور مفتوحة على كل الإحتمالات لأن تغيير موازين القوى بالمنطقة سيشعل الموقف ويؤجج الصراع ويعقده أكثر وأكثر، كما ان الدخول في حرب استنزاف طويلة، سيؤدي حتما الى توسيع دائرة الصراع، وبالتالي التأثير في حالة عدم الإستقرار بالمنطقة، وهو ما لا يحمد عقباه ليس فقط للمنطقة بل لدول العالم أجمع.
وبالمحصلة، يبقى السؤال المركزي، هل سيحدد الإنتصار العسكري مستقبل المنطقة، أم أن الطرف الأقدر على الصمود اقتصاديا وسياسيا في هذه المواجهة هو الذي سيحقق اهدافه منها؟ الإجابة على هذه الأسئلة مرهونة بتطورات الأمور على الأرض والمفاجآت التي قد تحصل ضمن سياقات هذه الحرب.