تعديلات قانون الضمان: مطلوب رسائل طمُأنة؛
-- هل نعزّز الاشتراك الاختياري أم نعدمه.؟
- (175) مليون دينار إيرادات الضمان من الاشتراك الاختياري لسنة 2025
- كيف نوازن بين الحماية وهواجس الاستدامة.؟
يُمثل الاشتراك الاختياري في مؤسسة الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية لتمكين الأردنيين غير المشمولين بالأطر الإلزامية، وهو ما نعتبره مصلحة وطنية عليا لترسيخ مبدأ المساواة في الحماية الاجتماعية. وبصفتي متابعاً للشأن التأميني، لطالما كانت دعوتي مستمرة لكل مواطن (سواء داخل المملكة أو خارجها) للانضواء تحت هذه المظلة؛ لضمان مستقبل آمن يقي من تقلبات الحياة في مواجهة مخاطر العجز والشيخوخة وفقدان القدرة على العمل والكسب، والوفاة.
واقع الاشتراك الاختياري: المزايا والالتزامات:
من الضروري أن يدرك المواطن الراغب في الاشتراك بصفة اختيارية طبيعة هذا المسار التأميني، والذي يتحدد في النقاط التالية:
أولاً: نطاق التغطية: يتركّز هذا الاشتراك الاختياري حصراً بتأمين واحد هو (تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة). وهو التأمين الرئيس والأهم في قانون الضمان. ولا يشمل تأمينات (إصابات العمل، والأمومة، والتعطل عن العمل).
ثانياً: الكلفة المالية: تبلغ نسبة الاقتطاع عن الاشتراك بالتأمين المذكور ( 17.5% ) من الأجر الافتراضي لمشترك الاختياري، وهي نسبة تتماشى مع المعايير المطبقة على المنشآت في المسار الإلزامي لنفس الغايات وبنفس هذا التأمين.
ثالثاً: يوفر هذا التأمين للمشترك فرص الحصول على راتب التقاعد الوجوبي (راتب تقاعد الشيخوخة)، وراتب التقاعد المبكر، وكذلك، لا قدّر الله، في حالات الوفاة والعجز راتب تقاعد الوفاة الطبيعية وراتب اعتلال العجز الطبيعي الجزئي أو الكلي.
رؤية تحليلية: موازنة بين العجز الاكتواري والواجب الوطني:
لا يمكن قراءة ملف الضمان الاجتماعي بمعزل عن التحديات المالية؛ إذ يواجه تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة ضغوطاً تقاعدية هائلة، لا سيما مع التوسع في "التقاعد المبكر" خلال السنوات العشر الأخيرة. وتشير الدراسات إلى أن الكلفة الإكتوارية لهذا التأمين تتجاوز نسبة الاقتطاع الحالية، وهو نتاج طبيعي لسياسات تقاعدية سابقة افتقرت للحصافة، وعدم استقرار ملحوظ في سوق العمل، دفع إلى الاتجاه المفرِط نحو التقاعد المبكر.
وبالرغم من هذا العجز الإكتواري المنظور، تظل دعوة الأردنيين، خاصة المغتربين منهم، للاشتراك واجباً أخلاقياً وإنسانياً ووطنياً، فالمصلحة الفردية للمواطن في توفير دخل تقاعدي مستدام له ولأسرته تلتقي مع المصلحة الوطنية العامة في توسيع نطاق الحماية الاجتماعية على مستوى المجتمع.
من هنا أدعو إلى إطلاق رسائل طمأنة وارتياح كمطلب مهم خلال مناقشة مسودة القانون المعدل للضمان الاجتماعي، وأن يكون في اعتبارنا "بعث الطمأنينة" في نفوس المشتركين.
أقول هذا الكلام وأنا أشعر بالقلق إزاء الأرقام التي تشير إلى أن ما يقرب من( 5 ) آلاف مشترك اختيارياً أوقفوا اشتراكاتهم خلال أقل من شهر، تزامناً مع الحديث عن التعديلات، ما يمثل جرس إنذار لا يمكن تجاهله. علماً بأن إيرادات مؤسسة الضمان من الاشتراك الاختياري خلال العام 2025 وحده بلغت حوالي ( 175 ) مليون دينار.
لذا أكرّر بأن المطلوب اليوم إرسال رسائل طمْانة واضحة من المطبخ التشريعي، تضمن حقوق المشتركين وتبدد مخاوفهم، ففقدان الثقة في الاستقرار التشريعي هو أكثر وأخطر ما يهدد ديمومة النظام التأميني لمؤسسة الضمان ويُضعف قدراتها على جذب المشتركين الجدد.
من هنا أقول بأن نجاح تعديلات الضمان القادمة يُقاس بمدى قدرتها على الموازنة بين الاستدامة المالية للمؤسسة وبين الحفاظ على المكتسبات التأمينية للمواطن، بما يضمن بقاء "الاختياري" خياراً حقيقياً جاذباً مرغوباً على الدوام لا عبئاً مقلقاً ولا بأي حال.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي