الإجراءات الحكومية.. كيف تضمن استدامة الكهرباء؟
رهام زيدان
عمان- أكد خبراء في قطاع الطاقة أن القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لضمان استمرارية توليد الكهرباء أخيرا تمثل استجابة ضرورية للظروف الاستثنائية الحالية، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة الطاقة في الأردن في حال استمرار الأزمة لفترة أطول.
واتخذت الحكومة أخيرا حزمة إجراءات طارئة لضمان استمرارية توليد الكهرباء في ظل انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي من حقول شرق المتوسط وسط تصاعد التوترات الإقليمية، تستهدف تأمين الوقود البديل لمحطات التوليد وتقليل الكلفة على شركة الكهرباء الوطنية، بما يحافظ على استقرار التيار الكهربائي في المملكة.
يأتي هذا في وقت يعتمد فيه الأردن على الغاز الطبيعي المستورد من الاحتلال الإسرائيلي لإنتاج 60 % من الكهرباء في المملكة فيما يعتمد على مصادر أخرى مثل الصخر الزيتي والطاقة المتجددة وغيرها بنسبة 40 %.
وبطبيعة الحال سيؤدي الاعتماد على الديزل والوقود الثقيل بدلا من الغاز الطبيعي إلى زيادة الكلفة على شركة الكهرباء الوطنية بمقدار 1.8 مليون دينار.
وشملت قرارات مجلس الوزراء السماح للشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية باستيراد مادة الديزل وزيت الوقود لصالح شركة الكهرباء الوطنية، إضافة إلى السماح للشركة باستخدام جزء من مخزون الحكومة الاستراتيجي من مادة الديزل لغايات استدامة توليد الطاقة الكهربائية في الحالات الطارئة، على أن تقوم شركة الكهرباء الوطنية بتعويض الكميات التي تقوم بسحبها.
كما تضمنت الإجراءات إعفاء مستوردات شركة الكهرباء الوطنية من مادتي الديزل وزيت الوقود من جميع الرسوم والضرائب، بما في ذلك الضريبة الخاصة والرسوم الجمركية ورسوم طوابع الواردات وأي رسوم أو ضرائب أخرى مترتبة عليها لهذه الغاية.
وأكدت وزارة الطاقة والثروة المعدنية أنها تعمل على تنويع مصادر الوقود من حيث النوع والمصدر، بما يعزز جاهزية الأردن للتعامل مع حالات الطوارئ، من خلال توفير مخزون إستراتيجي من الوقود يكفي لمدد مناسبة.
وبينت الوزارة في رد على استفسار لـ"الغد" أن هذه الخطط يتم تفعيلها فور التعرض لأي انقطاع في الإمدادات، حيث يجري تشغيل محطات التوليد باستخدام الوقود البديل لضمان استمرار التزويد بالطاقة الكهربائية.
كما أوضحت أن السماح باستيراد كميات من الديزل والوقود الثقيل لصالح شركة الكهرباء الوطنية يسهم في توفير الوقود اللازم بكلفة أقل على الشركة وعلى المنظومة الكهربائية عموما، مؤكدة وجود مستويات آمنة من الوقود الثقيل تُعد من بين الأعلى عالميا لمواجهة أي طارئ.
في هذا الشأن، قال الخبير في شؤون الطاقة هاشم عقل إن "القرار الحكومي يُعد إجراء استباقيا ووقائيا يهدف إلى ضمان استمرارية تزويد الكهرباء بأقل تكلفة ممكنة في ظل أزمة إقليمية خارجة عن السيطرة الأردنية" مؤكدا أن الخطوة تمثل إجراء مهما للحفاظ على أمن الطاقة الوطني خلال المرحلة الحالية.
وأوضح عقل أن القرار يستهدف تسهيل وتسريع عمليات الاستيراد المباشر للمشتقات النفطية، إذ إن الشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية (JOTC)، المسؤولة عن إدارة الموانئ النفطية والتخزين، تُعد الجهة المتخصصة والمصرح لها سابقا باستيراد المشتقات النفطية في المملكة.
وبيّن أن السماح للشركة بالاستيراد مباشرة لصالح شركة الكهرباء الوطنية يسهم في تقليل الوقت والتعقيدات الإدارية مقارنة بالاعتماد على الوسطاء أو الإجراءات التقليدية، إضافة إلى ضمان توافر كميات كافية من الديزل وزيت الوقود بسرعة لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وأشار عقل إلى أن الإعفاء الكامل من الرسوم والضرائب، بما يشمل الرسوم الجمركية والضريبة الخاصة ورسوم الطوابع وغيرها، يمكن أن يقلل الكلفة الإجمالية للكميات المستوردة بنسبة تتراوح بين 20 و40 %، بحسب طبيعة الضرائب المفروضة عادة على المشتقات النفطية.
وأضاف، إن هذه الإجراءات تسهم في تخفيف العبء المالي على شركة الكهرباء الوطنية، وتقلل احتمالية رفع أسعار الكهرباء على المواطنين أو زيادة الدعم الحكومي، فضلا عن تعزيز مرونة النظام الكهربائي والاستعداد للتعامل مع حالات الطوارئ.
كما يسمح القرار لشركة الكهرباء الوطنية بسحب جزء من المخزون الإستراتيجي الحكومي من الديزل في الحالات الطارئة، مع تعويضه لاحقا، ما يعزز تنويع مصادر الوقود ويضمن استمرار التوليد حتى في حال استمرار الانقطاع أو ارتفاع الأسعار العالمية.
ولفت عقل إلى أن من أبرز الجوانب الإيجابية للقرار الحفاظ على استقرار التيار الكهربائي وحماية المواطنين من ارتفاع فواتير الكهرباء على المدى القصير، إضافة إلى الحد من الخسائر التشغيلية التي تتحملها شركة الكهرباء الوطنية في الظروف الحالية. وفي المقابل، أشار إلى أن الأزمة تحمل بعض التداعيات السلبية، أبرزها زيادة الاعتماد على الوقود السائل مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل، وهو وقود أعلى كلفة وأكثر تلويثا مقارنة بالغاز الطبيعي.
وأوضح أن استمرار الأزمة قد يفاقم الضغط المالي على شركة الكهرباء الوطنية، خاصة أن الكلفة اليومية الإضافية الناتجة عن استخدام الديزل بدل الغاز تُقدّر بنحو 1.8 مليون دينار يوميا، نتيجة التحول إلى الوقود البديل لتشغيل محطات التوليد.
من جانبه، قال الباحث في شؤون الطاقة عامر الشوبكي إن القرارات الحكومية تمثل الحد الأدنى المطلوب للتعامل مع خطورة المرحلة الحالية، واصفا إياها بأنها قرارات جريئة وقوية جاءت في ظل ظروف إقليمية استثنائية تتطلب تحركات سريعة لضمان استقرار قطاع الطاقة في المملكة.
وأوضح الشوبكي أن هذه الخطوة تُعد الأولى من نوعها منذ جائحة كورونا التي يُسمح فيها للشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية باستيراد المشتقات النفطية، ما يعكس جدية الحكومة في التعامل مع تداعيات انقطاع الغاز والبحث عن بدائل سريعة لضمان استمرارية التزويد بالطاقة.
وأشار إلى أن القرار كان يحتاج إلى مزيد من الإفصاح، خصوصا فيما يتعلق بالكميات التي ستقوم الشركة اللوجستية بشرائها وتخزينها، بما يعزز مستوى الشفافية ويمنح السوق صورة أوضح حول حجم المخزون المتاح وخطط إدارة الأزمة.
وأضاف الشوبكي أنه كان من المفترض أيضا إلزام شركات توزيع المشتقات النفطية الثلاث بحدود عليا من المخزونات، إلى جانب تحديد مستويات للمخزون لدى الشركة اللوجستية ومحطات المحروقات، بما يعزز جاهزية السوق المحلي في مواجهة أي تطورات محتملة.
وبيّن أن ضبابية المشهد الإقليمي وعدم وضوح الإطار الزمني للحرب يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة، ما يستدعي –بحسب رأيه– اتخاذ إجراءات إضافية، من بينها تقنين استخدام الغاز وإدارة الطلب على الطاقة بحذر خلال المرحلة المقبلة.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي د. قاسم الحموري "إن الظروف الحالية صعبة للغاية، ما يفرض إدارة اقتصادية تتناسب مع طبيعة المرحلة"، مشيرا إلى أن ملف الطاقة والكهرباء، ولا سيما توليد الكهرباء بعد انقطاع الغاز، يعد قضية بالغة الأهمية لما له من تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها زيادة عجز الموازنة العامة.
وأضاف الحموري: "الإجراءات الحكومية المتخذة تُعد طبيعية وضرورية في الوقت ذاته، إذ تهدف إلى التخفيف من الآثار السلبية المحتملة على الاقتصاد الأردني، خصوصا في ظل ارتفاع كلفة توليد الكهرباء عند التحول إلى الوقود البديل".
وبيّن أن الأزمة الحالية ينبغي أن تشكل درسا يدفع نحو تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، وفي مقدمتها طاقتا الشمس والرياح، إلى جانب إزالة المعوقات التي تعترض توسع هذا النوع من الطاقة في المملكة.
وأشار إلى أهمية إعادة النظر في آليات الموافقة على مشروعات الطاقة المتجددة بحيث تكون إجراءات الترخيص من خلال هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن بصورة مستقلة بعيدا عن تدخل شركة الكهرباء، بما يسهم في تسريع التوسع في هذا القطاع.
وفيما يتعلق بالإعفاءات الضريبية، أوضح الحموري أنها قد تسهم في تخفيف الكلف، معربا عن أمله في أن تنعكس فوائدها على الاقتصاد الأردني ككل، وألا تذهب مكاسبها إلى جيوب مؤسسات أو أفراد بعينهم. ــ الغد