أ. د. ليث كمال نصراوين : الوحدة الوطنية في زمن الحرب
في ظل الحرب التي تشنها القوات الصهيوأمريكية على إيران، وما تفرضه من تصعيد عسكري وتوتر سياسي مفتوح على مختلف الاحتمالات، يجد الأردن نفسه في وضع بالغ الحساسية بحكم موقعه الجغرافي في قلب الإقليم، ومواقفه السياسية الثابتة، وفي مقدمتها موقفه من القضية الفلسطينية وتداعياتها. فالأردن، بحكم تشابك مصالحه الجيوسياسية والاقتصادية مع محيطه، لا يمكن أن يكون بمنأى عن انعكاسات هذا الصراع، سواء بصورة مباشرة أو عبر تأثيراته على الاستقرار الإقليمي والأوضاع الاقتصادية والأمنية.
وفي مثل هذه الظروف، تبرز أهمية تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز تماسكها باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة أي ارتدادات محتملة، ذلك أن صلابة الداخل ووحدة الموقف الوطني هما الأساس في التعامل مع المرحلة بحكمة واقتدار. فالدولة التي يقوم بنيانها على مجتمع موحد، تسوده الثقة المتبادلة بين المواطنين ومؤسساتهم الدستورية، تكون أقدر على إدارة علاقاتها الدولية بثبات، وأكثر قدرة على امتصاص الضغوط السياسية والاقتصادية في أجواء الحروب الإقليمية. أما إذا ضعفت الثقة أو تسللت الانقسامات إلى الداخل، فإن ذلك ينعكس مباشرة على الموقف الخارجي، ويشتت الجهد الوطني بين معالجة الاختلالات الداخلية ومواجهة التحديات الخارجية.
وفي الإطار الدستوري، عالج الدستور الأردني مسألة الظروف الاستثنائية بنصوص واضحة تجيز اتخاذ تدابير خاصة عند تعرض الأمن الوطني أو السلامة العامة للخطر، وفي مقدمتها إنفاذ قانون الدفاع أو إعلان العمل بالأحكام العرفية، وما يترتب على كليهما من تدابير قد تفضي إلى تقييد بعض الحقوق والحريات الأساسية. ولا تزال تجربة أوامر الدفاع خلال جائحة كورونا حاضرة في الذاكرة الوطنية، بما فرضته من قيود على التنقل والإقامة والسفر وممارسة الأنشطة العامة، وهي قيود – على شدتها – تبقى أقل اتساعا مما قد يترتب على إعلان الأحكام العرفية من تدابير أكثر صرامة يجيزها النص الدستوري في مواجهة الأخطار الجسيمة.
غير أن فلسفة الحكم في الأردن تقوم على اعتبار هذه الصلاحيات أحكاما استثنائية لا يُلجأ إليها إلا في أضيق الحدود التي تفرضها الضرورة. فالأصل هو بقاء الحياة العامة في إطارها الطبيعي القائم على سيادة القانون وضمان الحقوق والحريات، وأن يظل الاستثناء محكوما بحدود الزمان والمكان والسبب. ويعكس هذا النهج إدراكا حقيقيا لدى مؤسسة الحكم بأن تمتين الوحدة الوطنية لا يتحقق عبر التوسع في القيود، بل من خلال تعزيز ثقة المواطن بدولته وبقدرتها على إدارة الأزمات ضمن الإطار الدستوري.
وإذا كانت الدولة الأردنية قد اختارت الإبقاء على الحياة العامة ضمن مستوياتها الاعتيادية، فإن ذلك يستوجب بالمقابل وعيا مجتمعيا مسؤولا يواكب حساسية المرحلة. فثمة فارق بين التعبير المشروع عن الرأي ومتابعة الأحداث الجارية وتحليلها، وبين الانجرار إلى خطاب انفعالي يقوم على التشكيك أو إثارة الانقسام أو بث الفرقة بين أبناء المجتمع. فحماية الجبهة الداخلية ليست من مهام مؤسسات الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة ينهض بها المجتمع بأسره.
وتتجلى هذه المسؤولية بوضوح في طريقة التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة رئيسة لتشكيل الرأي العام. فهذه المنصات يمكن أن تكون أداة لتعزيز الوحدة الوطنية من خلال نشر المعلومة الدقيقة وترسيخ قيم التضامن، لكنها قد تتحول – إذا أسيء استخدامها – إلى وسيلة لتداول الشائعات أو تضخيم الأحداث أو إطلاق الأحكام المتسرعة. ومن ثم فإن الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه الوسائل يشكل جزءاً لا يتجزأ من منظومة تحصين الجبهة الداخلية.
كما أن قوة الدولة الأردنية تتجسد في منظومتها التشريعية التي تجرّم الأفعال التي تمس الأمن الوطني أو تزعزع الثقة بالمؤسسات أو تثير النعرات. وإذا كانت جهات إنفاذ القانون تمارس قدرا عاليا من التروي وضبط النفس في التعامل مع بعض مظاهر الإساءة أو التحريض الإلكتروني، فإن ذلك يعكس احترام الدولة لمواطنيها وتقديرها للظروف العامة، لكنه لا يعني بحال من الأحوال عجزا عن حماية الاستقرار عند اللزوم، وهو ما يدركه المواطن الذي اختبر مؤسساته الوطنية عبر محطات وأزمات متعاقبة.
في المحصلة، فإن تمتين الوحدة الوطنية في ظل الحرب الإقليمية الراهنة ليس موقفا ظرفيا، بل خيارا استراتيجيا لحماية الدولة وصون استقرارها. فالأزمات، مهما اشتدت، تظل مراحل عابرة، أما ما يبقى فهو قوة النسيج الوطني وعمق الالتزام بالدستور وسيادة القانون. وكلما ترسخ هذا الالتزام وتعزز الوعي المجتمعي، كانت الجبهة الداخلية أكثر صلابة، وكانت الدولة أقدر على مواجهة الأزمات بثقة واقتدار.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com