رئيس لجنة فلسطين النيابية : الأردن في قلب المواجهة الدبلوماسية مع الاحتلال
أجرى الحوار: عماد الرقاد
في توقيت بالغ الحساسية إقليميا ودوليا، تتصاعد التصريحات الصادرة عن السفير الأميركي لدى إسرائيل، وتترافق مع حديث متجدد عن مشاريع ضم وتهجير تثير قلقا واسعا من انزلاق المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيدا. في خضم هذا المشهد، يبرز سؤال الدور والموقف: أين يقف الأردن؟ وكيف يتحرك سياسيا ودبلوماسيا في مواجهة أي مساع لفرض وقائع جديدة على الأرض؟
بين التحرك في العواصم الكبرى، والجهد الإغاثي المستمر تجاه غزة والضفة الغربية، يتمسك الأردن بموقف معلن وثابت يعتبر التهجير خطا أحمر لا يمكن القبول به أو التهاون حياله.
في هذا السياق، وفي حوار خاص لـ»بودكاست الدستور» مع رئيس لجنة فلسطين النيابية النائب سليمان السعود، نقف على طبيعة المرحلة، وتقدير الموقف السياسي، وحدود الخيارات المتاحة.
هل نحن أمام لحظة سياسية فاصلة؟ وهل تغير المشهد فعليا؟ وكيف يقرأ البرلمان احتمالات التصعيد أو فرض مشاريع الضم والتهجير على الأرض؟
أسئلة نضعها أمام ضيفنا، الذي يؤكد بوضوح أن التهجير ليس مجرد طرح سياسي، بل إعلان حرب وجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وفق توصيفه.
«الدستور»: نبدأ معك من التصريحات الأخيرة للسفير الأميركي لدى إسرائيل، كيف تقرؤها؟ هل هي مجرد موقف سياسي أم تمهيد لفرض واقع جديد بالقوة؟
- السعود: أولا موقف الأردن ثابت وصلب، الأردن مواقفه من الرمثا إلى العقبة خلف جلالة الملك، في رفض أي تهجير أو توطين، ورفض أي حل يكون على حساب الأردن. هذا موقف وطني موحد، يحظى بإجماع سياسي وشعبي كامل.
وجلالة الملك يتمتع بثقل دبلوماسي على مستوى العالم، الذي يتحدث الآن ويعترف بالدولة الفلسطينية، ولاحظتم في الفترة الأخيرة كم دولة في العالم اعترفت بأحقية إقامة الدولة الفلسطينية.
أما بالنسبة للتصريحات التي تصدر بين فترة وأخرى، سواء عن المتطرفين اليهود أو عن السفير الأمريكي في إسرائيل، فهي تصريحات مرفوضة، ونعتبرها طروحات متطرفة لا تستند إلى أي شرعية قانونية أو سياسية. هي تمس الأمن العربي ككل، ولا تقتصر تداعياتها على فلسطين أو الأردن فقط. والمؤسف أن تصدر عن ممثل لدولة تعد شريكا في عملية السلام، إذ كان الأولى أن تسهم في احتواء التوتر بدلا من تأجيجه.
«الدستور»: إذا كانت الولايات المتحدة شريكا في عملية السلام، فكيف نفهم صدور مثل هذا الخطاب في هذا التوقيت؟
- السعود: نحن نميز بين التصريحات والمواقف الرسمية. لكن المطلوب اليوم توضيح صريح من الإدارة الأميركية يؤكد أن هذه التصريحات لا تمثل سياسة معتمدة. ما يعنينا في النهاية هو الفعل، وأي محاولة لتحويل هذه الطروحات إلى إجراءات عملية ستقابل بموقف أردني وعربي واضح.
«الدستور»: وهل هناك موقف عربي إسلامي ردا على هذه التصريحات؟
- السعود: بالتأكيد،، شهدنا خلال الفترة الأخيرة مواقف واضحة من معظم الدول العربية والإسلامية، أكدت رفضها لأي مشاريع للضم أو التهجير، واعتبرتها مخالفة لميثاق الأمم المتحدة وللشرعية الدولية وأسس السلام. هناك إجماع عربي على أن أمن المنطقة خط أحمر.
وبالذات سمعنا تصريحات قوية من المملكة العربية السعودية التي طالبت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الخارجية الأمريكية، بأن تخرج بتصريح يوضح موقفها من تصريحات سفيرها.
«الدستور»: منذ سنوات طويلة، الأردن يتصدر المشهدين العربي والإسلامي في الدفاع عن فلسطين، سواء على الصعيد السياسي أو الصعيد الدبلوماسي أو الصعيد الإنساني لكن ما الذي يميز الموقف الأردني اليوم عن غيره؟
- السعود: الأردن دائما في المقدمة، وبالنسبة لنا فلسطين ليست فقط دولة شقيقة أو جارة، بل رئة نتنفس منها وتتنفس منا. القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن قضية مركزية، وإقامة الدولة الفلسطينية مصلحة عليا للدولة الأردنية.
الجهد الذي يقوده جلالة الملك يمتد سياسيا ودبلوماسيا وإنسانيا، وأسهم في نقل صورة واضحة للمجتمع الدولي حول حقيقة ما يجري على الأرض، وفي تعزيز الاعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.
«الدستور»: وكيف تقرؤون المشهد في ظل التصعيد المستمر ومظاهر العزل والضم في غزة والضفة؟
السعود: مناظر القتل والتدمير ومحاولات الضم والعزل التي نشهدها في غزة والضفة الغربية مؤلمة للغاية، وهي تفرض علينا جميعا تحركا سياسيا ودبلوماسيا وإنسانيا مكثفا لوقف هذا التصعيد والحد من تداعياته.
نحن نعمل بكل ما أوتينا من جهد وإمكانات من أجل وقف هذه الانتهاكات، وحماية الحقوق، ودفع المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة أسهمت في وضعها في عزلة سياسية متزايدة أمام الرأي العام العالمي.
اليوم نشهد تراجعا في التعاطف الدولي، وتصاعدا في الانتقادات، في ظل صور وتقارير توثق حجم الدمار والخسائر الإنسانية، وهي معطيات أصبحت محل تداول واسع حتى داخل إسرائيل نفسها. هذا الواقع يعكس حالة من العزلة السياسية التي فرضت نتيجة السياسات القائمة، وليس بفعل خطاب إعلامي فقط.
وفي هذا السياق، يسجل للأردن بقيادة جلالة الملك دور واضح في نقل الصورة الحقيقية لما يجري إلى العالم، وشرح تداعيات الانتهاكات ومخاطر استمرارها، ما أسهم في تعزيز الوعي الدولي بحقيقة الأوضاع وضرورة التحرك الجاد نحو حل سياسي عادل وشامل
«الدستور»: وماذا عن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس؟
السعود: الوصاية الهاشمية مسؤولية تاريخية ينهض بها جلالة الملك بكل اقتدار، من خلال دعم صمود المقدسيين ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية عبر وزارة الأوقاف والمشاريع المستمرة التي تنفذها المملكة في القدس. هذا الدور جزء أساسي من الثوابت الأردنية.
الأردن يتحرك ضمن موقف عربي وإسلامي داعم ومتكامل، لكنه بالفعل في طليعة هذا الجهد سياسيا ودبلوماسيا وإنسانيا. الخطر اليوم لا يمس فلسطين وحدها، بل يمس أمن المنطقة بأكملها، ما يتطلب تنسيقا عربيا وإسلاميا أوسع، واستراتيجية شاملة تحمي الحقوق وتصون الاستقرار.
اليوم بات من الضروري أن يكون هناك تنسيق عربي وإسلامي أوسع وأعمق، يواكب حجم التحديات والمخاطر التي تواجه المنطقة، ولا يكتفي بردود الفعل المحدودة أو المواقف المنفردة.
نحن بحاجة إلى رؤية واستراتيجية مشتركة تتحرك على عدة محاور؛ سياسيا من خلال توحيد المواقف والضغط الدبلوماسي في المحافل الدولية، واقتصاديا عبر أدوات تأثير جماعية تدعم الحقوق المشروعة وتردع أي سياسات عدوانية، ودبلوماسيا من خلال تكثيف الحضور العربي والإسلامي في مختلف العواصم والمنظمات الدولية لشرح خطورة ما يجري.
المطلوب أيضا هو بناء أدوات وقائية واستباقية، بحيث لا ننتظر وقوع الخطر ثم نتعامل مع تداعياته، بل نعمل على اتخاذ إجراءات مسبقة تعزز الجاهزية وتحمي المصالح وتدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.
«الدستور»:على المستوى الإنساني، الأردن كان في مقدمة الدول التي أرسلت مساعدات إلى غزة. كيف تقيمون حجم هذا الجهد؟
- السعود: دعم صمود الشعب الفلسطيني لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يتطلب إسنادا عمليا على الأرض، ومواجهة إسرائيل تكون بتثبيت الفلسطيني في أرضه، وتعزيز قدرته على الصمود.
الأردن، عندما يؤكد تمسكه بحق الشعب الفلسطيني في أرضه، يترجم ذلك إلى أفعال، عبر جهد إغاثي وإنساني متواصل لم ينقطع منذ اندلاع الأزمة. فالمستشفيات الميدانية الأردنية ما تزال تعمل في قطاع غزة، إلى جانب المخابز الأردنية التي تواصل توفير الاحتياجات الأساسية، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، اضافة الى أن القوافل الإغاثية الأردنية مستمرة رغم ما تواجهه من تضييق ومحاولات لعرقلة إدخال المساعدات، فالدعم الاردني يصل إلى أهالي القطاع بشكل يومي عبر الجمعيات الإنسانية والتكايا.
«الدستور»: كيف تردون على من يرى أن الدور البرلماني يظل محصورا في الإطار الخطابي؟ وما الذي يثبت وجود تحرك فعلي ومؤثر؟
السعود: الدور الخطابي والبرلماني والحراكي ليس مجرد كلمات، بل هو أداة تأثير حقيقية، لأن البرلمانيين في الدول العربية والإسلامية وفي مختلف دول العالم يمتلكون قدرة على التأثير في توجهات الحكومات وصناعة المواقف الداعمة للحقوق الفلسطينية ومناهضة سياسات الاحتلال.
التحرك البرلماني يترجم من خلال التواصل المستمر مع البرلمانات الشقيقة والصديقة، وطرح القضية الفلسطينية في المحافل الرسمية، والعمل على بناء مواقف داعمة تتحول لاحقا إلى قرارات أو ضغوط سياسية.
وعلى مستوى عملي، هذه هي الدورة الثانية التي أتولى فيها رئاسة لجنة فلسطين النيابية. وخلال الدورة الأولى، وبالتعاون مع المجتمع المحلي، تم تنظيم وإطلاق قافلة مساعدات إلى قطاع غزة ضمت 12 شاحنة، بتكلفة تجاوزت 2 مليون دينار، في إطار جهد إغاثي مباشر لدعم الصمود على الأرض.
كما أؤكد أنني على تواصل دائم مع منظمات محلية ودولية تسعى لدعم الجهد الأردني في إسناد أهلنا في غزة، ويتم التنسيق دائما عبر القنوات الرسمية، وتحديدا من خلال الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، لضمان وصول المساعدات وتنظيمها وفق الأطر المعتمدة.
هذا العمل ليس استثناء، بل هو جزء من واجب مستمر ومسؤولية وطنية لا نعتبرها إنجازا بقدر ما هي التزام تجاه القضية الفلسطينية وأهلنا في غزة.
«الدستور»: هل هناك تواصل فعلي مع برلمانات عربية وإسلامية لحشد موقف موحد ضد مخططات التهجير والتصعيد؟
السعود: هذا جزء أساسي من عملنا. خلال الأيام الماضية، كنت في تركيا حيث التقيت برابطة برلمانيين من أجل القدس، وكان محور اللقاء التأكيد على ضرورة استمرار التواصل مع البرلمانات العربية والإسلامية، والعمل على حشد موقف موحد في مواجهة سياسات الاحتلال، ورفض الانتهاكات، والتصدي لأي محاولات لوقف أو تقييد المساعدات الإنسانية.
نحن ندعو من موقعنا كل البرلمانات في العالم إلى اتخاذ مواقف واضحة ومعلنة مناهضة للتصعيد، وإلى ممارسة دورها الرقابي والتشريعي للضغط باتجاه حماية الحقوق الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، نرى أن هناك دولا بدأت تعلن مواقف داعمة لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو أمر إيجابي ونشجع عليه. لكن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتصريحات، بل ترجمتها إلى خطوات عملية وقرارات فاعلة على الأرض، تدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتضع حدا لأي سياسات أو إجراءات تنتهك القانون الدولي أو تقوض فرص السلام
«الدستور»: ما رسالتكم إلى الإدارة الأميركية؟
السعود: أوجه رسالة واضحة إلى الإدارة الأميركية، التي تطرح نفسها شريكا في عملية السلام وتترأس اليوم مسارات ومجالس معنية بهذا الملف: العالم ينتظر أفعالا ملموسة على الأرض، لا مجرد تصريحات أو مواقف عامة.
نحن نتطلع إلى موقف عملي يساهم في وقف إطلاق نار دائم، ويضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، ويعمل على تهيئة الظروف لإعادة إعمار غزة لصالح أهلها، لا عبر أي طرح يقوم على التهجير أو إفراغ الأرض من سكانها.
ــ الدستور