الأخبار

د. محمد رسول الطراونة : في رحاب المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا

د. محمد رسول الطراونة : في رحاب المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا
أخبارنا :  

بمناسبة إطلاق مشروع أولويات البحث العلمي الوطني للأعوام (2026–2035) تحت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، رئيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، يقف العبد لله كاتب هذه السطور بشهادةٍ تنطلق من عضويته في لجان قطاع الصحة لسنوات، ليؤكد أن المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا لم يعد مجرد هيئة علمية تنسيقية، بل تحول إلى بيت خبرة وطنيٍ يُحتذى به، ومنارة علمية تحتضن العقول وتوجهها نحو خدمة القضايا التنموية الكبرى.

 

لقد شكّل إطلاق أولويات البحث العلمي الوطنية للعقد المقبل محطة فارقة في مسيرة البحث العلمي الأردني، إذ لم يقتصر الأمر على مجرد حفل إطلاقٍ عابر، بل جاء بتوجيهات سمو الأمير الحسن التي تؤكد على ترسيخ ثقافة البحث العلمي المنتج والمربوط مباشرة بالأولويات الوطنية، حيث يضع سموه البحث العلمي في صلب الاهتمام الوطني، مؤكداً أن الاقتصاد المعرفي لا يمكن أن يُبنى دون سياسات بحثية رشيدة، ودون بيئة مؤسسية محفزة، وآليات تمويل فعالة ومستدامة.

ويأتي التركيز على أولويات البحوث الصحية تحديداً ليترجم رؤية ثاقبة لدى القيادة الحكيمة للمجلس، إذ أن القطاع الصحي يمثل خط الدفاع الأول عن المواطن، والركيزة الأساسية في بناء مجتمع آمن ومستقر. وهنا لا بد من الإشادة بالدور المحوري الذي لعبه فريق المجلس الأعلى برئاسة امين عام المجلس الاستاذ الدكتور مشهور الرفاعي، مستغلا خبرته الاكاديمية الطويله في توجيه دفة البحث العلمي نحو معالجة التحديات الصحية الملحة، من خلال تبني منهجية علمية رصينة في تحديد الأولويات، تستجيب لاحتياجات القطاعات المختلفة ومنها القطاع الصحي الوطني وتعزز التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية والمستشفيات ومقدمي الخدمات الصحية.

وبصفتي أحد أعضاء لجان قطاع الصحة على مدى الأعوام الماضية، فقد تابعتُ عن كثب الإنجازات النوعية التي حققها المجلس في هذا المجال. فلم يعد المجلس مجرد جهة ممولة أو مشرفة، بل أصبح شريكاً استراتيجياً في بناء القدرات الوطنية وتطوير البنية التحتية للبحث العلمي الصحي. لقد أسهم المجلس في إنشاء وتطوير مراكز علمية متخصصة تُعد اليوم صروحاً وطنية مشرّفة، على رأسها المركز الوطني للسكري والغدد الصم والأمراض الوراثية الذي تأسس عام 1996، ليصبح علامة فارقة في رعاية مرضى السكري والأمراض الوراثية على المستويين الوطني والإقليمي، كما أنشأ المجلس المركز الوطني للبحث والتطوير في أواخر عام 2010، والذي استطاع أن يطور القدرات العلمية في مجالات التكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا النانوية والطاقة، مما انعكس إيجاباً على جودة الأبحاث الصحية التطبيقية.

ما يميز عمل المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا في قطاع الصحة هو النظرة التكاملية الشاملة، فلم يعد البحث العلمي غاية في حد ذاته، بل أداة لحل المشكلات وتطوير الخدمات الصحية المقدمة للمواطن. لقد شهدنا في لجان قطاع الصحة كيف أن المجلس يعمل بروح الفريق الواحد مع وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والقطاع الخاص، من أجل وضع خطط بحثية تستجيب للتحديات الوبائية والصحية المتجددة، وآخرها الاستجابة لجائحة كوفيد-19 وما تلاها من تطوير الخدمات الصحية الرقمية والصحة النفسية وصحة المهاجرين.

ولا يفوتني هنا أن أشيد بالدعم السخي الذي يقدمه صندوق دعم البحث العلمي والتطوير في الصناعة التابع للمجلس، والذي فتح آفاقاً واسعة للباحثين في مختلف القطاعات ومنها القطاع الصحي، وشجع الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية الدوائية، مما أسهم في تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية مضافة. هذا النهج التطبيقي هو ما يميز المجلس اليوم، ويجعله قاطرة حقيقية لتحقيق رؤية التحديث الاقتصادي وبناء مجتمع المعرفة.

إن ما يثلج الصدر حقاً هو متابعة هذا الإرث العلمي الكبير باهتمام ورعاية من سمو الأمير الحسن، الذي يضع بصماته الواضحة على كل خطوة استراتيجية، ويحرص على أن يكون المجلس منصة للتميز والإبداع، ومحتضناً للكفاءات الوطنية الواعدة. لقد علمنا سموه أن البحث العلمي ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وطنية ومسؤولية مجتمعية، وأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأبقى والأكثر جدوى.

ختاماً، وبمناسبة إطلاق أولويات البحث العلمي الوطنية للعقد الجديد، فإننا في قطاع الصحة نتطلع بعين الأمل والتفاؤل إلى مستقبل أكثر إشراقاً، ونحن على يقين بأن المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، بقيادة سمو الأمير الحسن، وكوكبة من خيرة العقول الوطنية، سيواصل مسيرة العطاء والإنجاز، وسيبقى عنواناً للتميز والريادة، وحارساً أميناً للبحث العلمي في الأردن، حتى يتبوأ مكانته اللائقة بين مصاف الأمم المتقدمة.

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

ــ الراي

مواضيع قد تهمك