م. عياده الحسبان : تعريب قيادة الجيش… قرار السيادة الذي يحمي الحاضر
في الأول من آذار، لا يستعيد الأردنيون ذكرى إدارية في سجل الدولة، بل يستحضرون لحظة سيادية فاصلة، حين اتخذ الملك الحسين بن طلال قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، فكان القرار فعل إرادة لا ردّ فعل، وخيار دولة لا مناورة سياسية. يومها أُعلن أن السلاح لا يؤتمن إلا في يد أبنائه، وأن الجندية لا تكتمل إلا بعقيدة الانتماء، وأن السيادة قرار لا يُستورد.
ذلك القرار لم يكن خروجًا على واقع قائم، بل تأسيسًا لواقع جديد:
أن الجيوش لا تكون وطنية إلا إذا نطقت بلغة شعبها، وأن القيادة لا تكون مستقلة ما لم يكن القرار مستقلًا. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الجيش العربي مؤسسة نظامية فحسب، بل صار ذاكرة وطنية تمشي على قدمين، ومدرسة للرجولة والانضباط، وسورًا معنويًا قبل أن يكون سورًا ماديًا.
واليوم، ونحن نعيش زمنًا تتكاثف فيه العواصف الإقليمية، وتتعاظم فيه مخاطر الانزلاق إلى دوائر الصراع، تتجلى قيمة ذلك القرار التاريخي في حاضر الدولة، إذ يقف الجيش العربي المصطفوي، إلى جانب الأجهزة الأمنية، ركيزةً للاستقرار الوطني، وحارسًا لحدود البلاد وأمن المجتمع، في معادلة تجمع بين القوة والانضباط، والهيبة والمسؤولية.
ويمتد هذا النهج بثبات في عهد الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، الذي قاد الدولة في أكثر مراحل الإقليم اضطرابًا، بسياسة متوازنة جنّبت الأردن منزلقات الحروب وارتدادات الأزمات، وحفظت للدولة تماسكها، وللمجتمع أمنه، وللمؤسسات هيبتها. فقد اختار طريق الدولة العاقلة لا دولة المغامرة، وطريق حماية الداخل لا تصدير الشعارات، فجاءت السياسة الأردنية عنوانًا للحكمة في زمن الاندفاع، وللتعقّل في زمن الاستقطاب.
وفي ظل هذه القيادة، لم تُستخدم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أدوات صراع، بل صمّامات أمان، تحفظ الاستقرار، وتصون القانون، وتؤكد أن أمن الأردن خط أحمر لا يُدار بالمساومة، ولا يُترك للمصادفة. فكان الاستثمار في الإنسان قبل العتاد، وفي الوعي قبل السلاح، وفي الاحتراف قبل الاستعراض.
ويحضر الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في ميادين التدريب كما في خطاب المستقبل، ليؤكد أن الجيش ليس تراثًا يُحتفى به، بل مشروع دولة يُبنى، وأن الجندية ليست وظيفة، بل ثقافة وطنية تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الراية: مستقيمة، عالية، غير منكسرة.
إن تعريب قيادة الجيش لم يكن فصلًا من الماضي، بل قاعدة للحاضر ومنهجًا للمستقبل. فكل جندي اليوم هو امتداد لذلك القرار، وكل ضابط هو توقيع جديد على وثيقة السيادة، وكل شهيد هو البرهان الأبقى على أن الأوطان لا تُحمى بالخطب، بل بالصدور.
وفي زمن تُشترى فيه البنادق، وتُستأجر فيه الولاءات، بقي الجيش العربي جيش وطن، لا ميليشيا فكرة، ولا مرتزقة مصلحة. وبقيت أجهزتنا الأمنية عنوانًا لمعادلة متوازنة: قوة بلا استبداد، ويقظة بلا تعدٍّ، وحزم بلا انفلات.
تعريب قيادة الجيش لم يكن خروجًا على التاريخ، بل عودة إليه:
عودة إلى أن الجندية شرف،
وأن القيادة مسؤولية،
وأن السيادة قرار لا يُستورد.
وفي ذكرى هذا اليوم، لا نحتفي بماضٍ مضى، بل نؤكد حاضرًا قائمًا:
أن الأردنيين، دولةً ومؤسساتٍ وشعبًا، يقفون خلف قيادتهم الهاشمية صفًا واحدًا، في حماية أمن الوطن واستقراره، وإبعاده عن أتون الأزمات والحروب الإقليمية، وصون دوره كواحة استقرار في محيط مضطرب.
ذلك هو معنى التعريب اليوم:
أن يكون قرارك وطنيًا،
وسيادتك مصانة،
وجيشك مرآة وطنك…
وحاضرُك امتدادًا لقرارٍ صُنع يومًا ليحمي الغد.
ــ الغد