الأخبار

الوصاية الهاشمية وتضحيات الأردن.. ثوابت لا تمسّها القرارات

الوصاية الهاشمية وتضحيات الأردن.. ثوابت لا تمسّها القرارات
أخبارنا :  

كتب: عمر المحارمة

لم يكن قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في الحادي والثلاثين من تموز عام 1988 حدثاً عابراً في سجل الدولة الأردنية، بل كان محطة مفصلية أعادت تعريف الأدوار وحددت المسؤوليات في واحدة من أعقد قضايا المنطقة، وبينما يتجدد الجدل حول القرار بين الحين والآخر، فإن العودة إلى السياق التاريخي والسياسي تثبت أن القرار لم يكن تخلياً عن الأرض أو تنصلاً من الواجب، بل استجابة واعية لتحولات فلسطينية وعربية ودولية، وحماية للموقف الأردني من محاولات التشويه والتحميل غير المنصف.

من ضرورة الوحدة إلى خيار الاستقلال

عندما أُعلنت وحدة الضفتين عام 1950، جاء القرار في سياق تاريخي استثنائي أعقب نكبة 1948، فقد كانت الضفة الغربية مهددة بالضياع الكامل، وكانت الحاجة ملحة إلى إطار سياسي يحفظ ما تبقى من الأرض والهوية، واستجاب الأردن آنذاك لنداء وجهاء فلسطينيين اجتمعوا في أريحا، وجرى إعلان الوحدة ضمن صيغة أكدت صراحة أن هذه الخطوة لا تمس التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، بل تحافظ على الحقوق العربية فيها.

منذ ذلك الحين وحتى حرب حزيران 1967، تحمل الأردن أعباء الإدارة الكاملة للضفة الغربية، وفتح مؤسساته أمام أهلها، ومنحهم الجنسية الأردنية، واعتبرهم شركاء في البرلمان والحكومة، ودفع الأردنيون ثمناً باهظاً في معارك 1948 و1967 وغيرهما دفاعاً عن القدس والضفة، وسقط مئات الشهداء على أسوار المدينة المقدسة، وبعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، واصل الأردن التمسك بشرعيته القانونية في الضفة، واستمر في دفع الرواتب وإدارة شؤون التعليم والأوقاف.

غير أن المعادلة بدأت تتغير مع تصاعد دور منظمة التحرير الفلسطينية، خاصة بعد اعتراف القمة العربية في الرباط عام 1974 بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، هنا دخلت العلاقة الأردنية – الفلسطينية مرحلة دقيقة، عنوانها صراع الشرعيات وتحديد الجهة المخولة بالتفاوض والتمثيل.

انتفاضة الهوية وضرورات القرار

اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987 شكّل نقطة تحول مفصلية، فقد عبّرت الانتفاضة عن إرادة شعبية واضحة لتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة على الأرض المحتلة، وفي خضم هذا الحراك، بدا أن استمرار الارتباط القانوني والإداري بين الضفتين قد يُفسَّر كازدواجية في التمثيل، أو كعائق أمام المسعى الفلسطيني نحو الاعتراف الدولي بحق تقرير المصير.

في خطابه الشهير في 31 تموز 1988، أعلن الملك الراحل الحسين بن طلال القرار، موضحاً أنه جاء تجاوباً مع رغبة فلسطينية خالصة وتوجهاً عربياً عاماً يؤكد ضرورة إبراز الهوية الفلسطينية بشكل كامل، ولم يكن القرار انسحاباً من المسؤولية، بل إستجابة لمطالب الفلسطينيين ومساهمة في دعم النضال الفلسطيني، ورفعاً لأي لبس قد تستغله إسرائيل لترويج مقولة «الوطن البديل».

لقد كان الأردن يدرك أن استمرار الوضع المعلّق لا يخدم لا عمّان ولا الفلسطينيين، وأن الحسم القانوني يفتح الباب أمام منظمة التحرير للتحرك بحرية أكبر في المحافل الدولية، ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى أعلن ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية في الجزائر في تشرين الثاني 1988، في خطوة مهّد لها فك الارتباط وأزال عنها التعقيد القانوني السابق.

الأردن في قلب الصراع لا على هامشه

القول إن فك الارتباط أخرج الأردن من معادلة الصراع العربي - الإسرائيلي يتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ، فالأردن ظل دولة مواجهة، وحدوده مع إسرائيل هي الأطول بين الدول العربية، كما حافظ على وصايته الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو دور متجذر تاريخياً ومتجدد سياسياً.

بعد سنوات قليلة، ومع انطلاق مسار مدريد ثم توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994، تمكن الأردن من تثبيت اعتراف دولي بدوره الخاص في رعاية المقدسات في القدس، وهو اعتراف يستند إلى عمق تاريخي بدأ منذ عهد الحسين بن علي واستمر عبر العهود اللاحقة من الملك عبدالله الأول الى عهد عبدالله الثاني.

ولم تكن التضحيات الأردنية في الصراع سياسية فحسب، بل عسكرية واقتصادية واجتماعية، حيث احتضن الأردن ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وفتح لهم أبوابه في أصعب الظروف، وتقاسم معهم الموارد المحدودة، وظل يعتبر أن استقرار الأردن جزء من قوة الموقف الفلسطيني، وأن قوة الفلسطينيين تصب في حماية الأردن.

بين النقد الموسمي وقراءة الوقائع

يتجدد الهجوم على قرار فك الارتباط كلما تعثر المسار السياسي الفلسطيني أو انسدت آفاق التسوية، غير أن تحميل الأردن مسؤولية تعثر مشروع الدولة الفلسطينية يتجاهل أن القرار كان ثمرة إجماع عربي وإرادة فلسطينية، وأنه جاء في لحظة تاريخية رأت فيها القيادة الأردنية أن دعم الهوية الوطنية الفلسطينية يقتضي إنهاء الصيغة القانونية السابقة.

الأردن لم يتخلَّ عن الضفة الغربية، بل نقل عبء التمثيل إلى أصحابه الشرعيين، مؤكداً أن الحقوق لا تضيع بقرار إداري، وأن الدفاع عن فلسطين لا يكون بمصادرة إرادة شعبها، ومنذ ذلك الحين، ظل الأردن ثابتاً على موقفه الداعم لقيام دولة فلسطينية مستقلة على ترابها الوطني، ورافضاً لأي مشاريع تصفية تنتقص من هذا الحق أو تحاول توطين القضية خارج أرضها.

بعد ما يقارب أربعة عقود، يبدو قرار فك الارتباط أقرب إلى خطوة استباقية جنّبت الأردن والفلسطينيين معاً منزلقات خطيرة، ورسخت مبدأ أن لكل شعب حقه في تقرير مصيره، دون وصاية أو التباس، لقد كان قرار دولة تقرأ اللحظة جيداً، وتوازن بين التزامها القومي ومصلحتها الوطنية، وتحافظ في الوقت ذاته على وحدة مجتمعها الداخلي.

مواضيع قد تهمك