د. عثمان الطاهات : قراءة في سيناريوهات المواجهة الأميركية الإيرانية
تثير المقارنة بين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي شدد فيها خلال الايام الاخيرة على ضرورة التوصل إلى اتفاق مع إيران وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة، وبين التحركات الميدانية الأميركية المتسارعة في الشرق الأوسط، تساؤلات واسعة حول الاتجاهات الحقيقية للسياسة الأميركية في المرحلة الراهنة، وحدود التلاقي أو التباعد بين الخطاب السياسي والواقع العسكري.
ففي الوقت الذي يعلن فيه ترمب تمسكه بخيار التفاوض، وعدم رغبته في الانخراط في حرب مفتوحة مع طهران، تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا لافتا تقوده الولايات المتحدة، تمثل في حشد قوات ضاربة وتعزيزات نوعية، كان أبرزها استدعاء حاملة طائرات ثالثة للانضمام إلى الأسطول البحري الأميركي المنتشر في مسارح العمليات القريبة من إيران ويعكس هذا التحشيد مستوى عال من الجاهزية العسكرية، ورسائل ردع تتجاوز الإطار الدفاعي إلى استعراض القوة، ما يشير إلى استعداد واشنطن لمواجهة كافة الاحتمالات.
هذا التباين بين الخطاب السياسي والتحشيد العسكري يعكس حالة من الغموض الاستراتيجي المقصود، إذ تبقي واشنطن جميع الخيارات مفتوحة فمن جهة، ترسل إشارات تهدئة تدعم المسار التفاوضي، ومن جهة أخرى، تمارس أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري على طهران، بهدف دفعها نحو تقديم تنازلات في ملفات عالقة، أبرزها البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، إضافة إلى النفوذ الإقليمي الذي تتوسع إيران من خلاله في عدة ساحات في المنطقة.
ومن زاوية اخرى يمكن قراءة هذا السلوك في إطار ما يعرف بسياسة الخداع الاستراتيجي أو المناورة السياسية، إذ يعتقد أن الإدارة الأميركية تتعمد الجمع بين خطاب دبلوماسي مرن وتحركات عسكرية صارمة، في محاولة لفرض معادلة تفاوضية مختلة لصالحها فإظهار الاستعداد للحرب ورفع مستوى الجاهزية القتالية، قد يكون أداة ضغط لاستنزاف موقف الطرف الآخر على طاولة المفاوضات، دون الانزلاق فعليا إلى مواجهة مفتوحة تحمل كلفا بشرية وسياسية واقتصادية عالية.
ويرى مراقبون أن عامل التوقيت يلعب دورا مهما في حسابات القرار العسكري، إذ إن اقتراب شهر رمضان المبارك قد يشكل عنصرا مؤثرا، سواء من حيث الجاهزية اللوجستية أو الاعتبارات السياسية والإنسانية والدينية، ما يمنح القوات الأميركية وقتا إضافيا لاستكمال استعداداتها وتعزيز تموضعها في المنطقة، إلى جانب ضبط نسق التحالفات ودعم الجوانب اللوجستية والتقنية المرتبطة بأي عملية محتملة.
في المقابل، يمنح هذا التأجيل إيران أيضا فرصة لتعزيز جاهزيتها الدفاعية، وإعادة ترتيب أوراقها الميدانية، والاستعداد لمواجهة أي سيناريو محتمل. وهو ما يجعل عامل الوقت سلاحا ذا حدين، يستخدمه كل من واشنطن وطهران وفق حساباتها الاستراتيجية، في سباق غير معلن للضغط وتحقيق أفضل موقع تفاوضي.
وبين رسائل التفاوض الصادرة من البيت الأبيض، ومشاهد الحشد العسكري المتصاعد في الميدان، تبقى المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، يتقدمها احتمال نجاح الضغوط في فرض تسوية سياسية جديدة، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية قد تكون مكلفة على المستوى الإقليمي والدولي تبقى الحصيلة النهائية مرهونة بقدرة الأطراف على ضبط تقديراتها وتجنب أي خطأ في الحسابات قد يشعل صراعا أوسع في المنطقة.
في المحصلة، يعكس هذا التباين بين الخطاب السياسي والتحشيد العسكري استراتيجية أميركية دقيقة تهدف إلى المزج بين الضغط والتحاور، مع الحفاظ على جميع الخيارات مفتوحة أمام صناع القرار وتبقى إدارة الأزمة الإيرانية أولوية واضحة لواشنطن، فيما تظل المنطقة تحت مجهر التحركات الدبلوماسية والعسكرية، ما يجعل الأشهر المقبلة فترة حاسمة قد تحدد مسار العلاقة بين الطرفين وتوازن القوى في الشرق الأوسط.