م. هاشم نايل المجالي : مأساة عصر الشاشة!
المعرفة هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل أو بطريقة اكتساب المعلومات أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم، وكلنا يعرف أن المعرفة يوصفها ذلك هي الطريق نحو الحقيقة، حيث كانت القراءة فعلًا من أفعال التأمل الداخلي، حيث يتباطأ الزمن ليصغي القارئ إلى نبض الفكرة وهي تتشكل بين الكلمات، أما اليوم في عصرنا هذا فلقد تسلل الضوء إلى صميم الإدراك البشري، حيث حلت الشاشة الصغيرة محل الكتاب، وبنقرة واحدة تختزل طريقًا كانت تستغرق أعوامًا من التفكير والجهد والتأمل.
إن الزمن الرقمي لم يسرّع فقط من وسائل التواصل، بل أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة نفسها، حيث تُستهلك المعرفة كما يُستهلك كل شيء في هذا العالم بالسرعة، وكما قيل كلما زادت سرعة الإنترنت قلّ عمق أفكارنا، وهذه تحولات كبرى أصابت جوهر المعرفة في عصر السرعة، حيث تراجعت القراءة العميقة، ولم يكن الانتقال من الورق المستخدم في كل شيء إلى الشاشة مجرد قفزة تقنية، بل كان انقلابًا في بنية الإدراك الحسي الإنساني ذاته، في طريقة رؤيتنا للعالم، وفي إيقاع وعينا.
لقد كان الورق بيئة ذهنية وفضاءً للتأمل، أما الشاشة فلقد جاءت لتدخل وعيًا في مدار الضوء المستمر، حيث السرعة تلغي العمق، وحيث الفكرة تتحيز في لحظة اللمس، فلقد كان الكتاب الورقي فضاءً للمكوث بين صفحاته وكلماته، بينما أصبحت الشاشة فضاءً للعبور، ففي زمن الورق كان القارئ يتعامل مع النص كما يتعامل الزاهد مع صلاته، بطء متعمد واستغراق في سكون الصفحة التي لا تضيء إلا بنور العين، أما اليوم فلقد أصبحت القراءة تجربة سطحية متقطعة، أشبه بتصفح الأمواج لا بالغوص في الأعماق، وكما قيل فإن الكتاب كائن مثالي لا يحتاج إلى كهرباء ولا يستهلك إلا وقتك وتأملك.
فلقد تحول الإنسان المعاصر من قارئ متأمل إلى مستهلك للمعلومة، يلتقطها كما يلتقط الصور من على شاشة هاتفه، لا بوصفها فكرة بل كوميض عابر، فالشاشة لا تتيح للمعنى أن يترسب في الذاكرة كما كان يفعل الورق، حيث تنبت الفكرة داخل القارئ، فالكلمات دومًا تترك أثرًا فينا، لقد أثّر الإنترنت بشكل واضح في إعادة تشكيل أدمغتنا، لأن الإنترنت أعاد برمجة الدماغ على البحث السريع لا على الفهم العميق.
هذا كله بين الاعتراف الصادق بمأساة عصر الشاشة، حيث نعرف أكثر لكننا نفهم أقل، وأصبح وعينا مجزأ، إننا نعيش في حالة انتباه مفتوح بلا تركيز، وكأن التفكير نفسه صار عبئًا لا يُحتمل، إن الورق كان وسيطًا لغويًا بينما الشاشة أصبحت وسيطًا بصريًا، في زمن الورق كانت الكتابة مقاومة للنسيان، أما اليوم فهي غارقة في زبد اللحظة.