هاشم عقل : هل يمكن للأردن الانتقال إلى أسبوع عمل، أربعة أيام؟
مقترح العطلة الأسبوعية الثلاثية يثير نقاشاً واسعاً بين الإيجابيات الاجتماعية والتحديات الاقتصادية
في السنوات الأخيرة، أصبح مصطلح "أسبوع العمل الأربعة أيام" أحد أبرز المواضيع التي تشغل نقاشات العالم المهني والاقتصادي. وفي الأردن، يعود الحديث بشكل متكرر عن إمكانية تطبيق هذا النموذج، أو ما يعادلها: عطلة نهاية أسبوع مدتها ثلاثة أيام (الجمعة والسبت والأحد)، مما يعني تقليص أيام الدوام الرسمي إلى أربعة أيام فقط في القطاع العام، وربما يمتد التطبيق تدريجياً إلى القطاع الخاص.
وفقاً لمصادر رسمية فإن الفكرة لا تزال في مراحلها الأولية و"متداولة بين الحين والآخر"، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة اتخاذ قرار رسمي. ورغم ذلك، يبقى السؤال المطروح بقوة في الشارع الأردني: هل يمكن للمملكة تبني هذا التغيير؟ وما هي الإيجابيات والسلبيات المحتملة؟
*جذور الفكرة وتجارب عالمية ناجحة
نشأت فكرة أسبوع العمل الأقصر كرد فعل على التحولات التي فرضتها جائحة كورونا، حيث أثبتت تجارب عديدة أن تقليص ساعات العمل أو أيامه لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاجية. من أبرز التجارب الناجحة:
*آيسلندا: أجرت تجارب واسعة النطاق بين عامي 2015 و2019 شملت آلاف الموظفين الحكوميين، وأسفرت عن تحسن ملحوظ في الرفاهية النفسية والتوازن بين الحياة والعمل، مع الحفاظ على الإنتاجية أو زيادتها في كثير من الحالات. وبحلول عام 2022، انتقل أكثر من نصف القوى العاملة في البلاد إلى نموذج أقصر أسبوع عمل.
• المملكة المتحدة: في تجربة ضخمة عام 2022 شاركت فيها عشرات الشركات وآلاف الموظفين، قررت أكثر من 90% من الشركات المشاركة الاستمرار في النظام بعد انتهاء التجربة، مع انخفاض ملحوظ في الغياب المرضي وزيادة في رضا الموظفين.
* بلجيكا وألمانيا: منحت بلجيكا الحق القانوني للموظفين في طلب أسبوع عمل مضغوط من أربعة أيام (دون تقليل الأجر)، بينما أجرت ألمانيا تجارب أظهرت انخفاضاً في التوتر وزيادة في الكفاءة.
حتى في المنطقة العربية، بدأت دول مثل الإمارات والسعودية بتجارب مرنة في القطاع الحكومي، مع التركيز على تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية.
*الإيجابيات المتوقعة في السياق الأردني
هناك احتمال أن يكون لهذه الفكرة فوائد متعددة تتناسب مع التحديات المحلية:
1. تحسين الصحة النفسية والتوازن الحياتي
يعاني الكثير من الأردنيين من ضغوط العمل اليومية والتنقلات الطويلة. يوم راحة إضافي يمكن أن يقلل من حالات الاحتراق الوظيفي (burnout)، ويعطي فرصة أكبر للعائلة والرياضة والتعليم الذاتي.
2. تنشيط السياحة الداخلية والاقتصاد المحلي
عطلة ثلاثة أيام متتالية ستشجع الأسر على السفر داخل المملكة، سواء إلى البترا أو وادي رم أو العقبة أو المناطق الشمالية، مما يعزز الاقتصاد السياحي الذي يعاني تقلبات موسمية.
3. زيادة الإنتاجية والتركيز
تجارب عالمية أظهرت أن الموظفين يميلون إلى تركيز جهودهم وتقليل الاجتماعات غير الضرورية والمهام الروتينية عندما يعلمون أن لديهم وقتاً محدوداً، مما يرفع الكفاءة.
4. جذب المواهب وتقليل هجرة العقول
في ظل المنافسة الإقليمية على الكفاءات، يمكن أن يصبح نظام العمل المرن ميزة تنافسية تجذب الشباب الأردني وتقلل من هجرتهم إلى دول الخليج أو أوروبا.
التحديات والمخاوف الرئيسية
رغم الإغراءات، يجب الحذر من عدة مخاطر محتملة:
1. ضغط إضافي على الموظفين
قد يضطر الموظفون إلى إنجاز نفس حجم العمل في أربعة أيام بدلاً من خمسة، مما يزيد كثافة العمل اليومي ويؤدي –في بعض الحالات– إلى إرهاق أكبر.
2. صعوبة تطبيق النظام في بعض القطاعات
الخدمات الصحية، الأمن، التعليم، البنوك، والنقل العام تحتاج إلى تغطية مستمرة. تطبيق نظام موحد قد يتطلب توظيفاً إضافياً أو جداول معقدة، مما يرفع التكاليف.
3. التأثير على الإنتاجية الاقتصادية الكلية
يعتمد الاقتصاد الأردني على قطاعات حساسة للإنتاجية اليومية. أي انخفاض –ولو مؤقت– في الأداء قد يؤثر على النمو، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية القائمة.
4. التحديات الثقافية والإدارية
الانتقال إلى نموذج جديد يتطلب تغييراً في ثقافة العمل، تدريباً للمديرين، وتعديلات تشريعية، وهو أمر قد يستغرق سنوات.
*خيارات وسطية مطروحة
بدلاً من التطبيق الشامل والفوري، يرى كثير من الخبراء أن الحل يكمن في مراحل انتقالية:
* البدء بتجارب تجريبية في بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية.
* اعتماد الدوام المرن (flexible hours) أو العمل عن بعد في بعض الأيام.
* تطبيق أسبوع عمل مضغوط (4 أيام × 9 ساعات يومياً) مع الحفاظ على إجمالي الساعات الأسبوعية.
* تشجيع القطاع الخاص على التجربة طوعاً مع حوافز ضريبية.
*بين الطموح والواقع
في النهاية، يبقى مقترح العطلة الأسبوعية الثلاثية في الأردن حلماً يحمل في طياته وعوداً كبيرة بتحسين جودة الحياة، لكنه يواجه عقبات اقتصادية وتنظيمية لا يمكن تجاهلها. التجارب العالمية تثبت أن النجاح ممكن، لكن بشرط التنفيذ المدروس والتكيف مع الخصوصية المحلية.
السؤال الآن ليس "هل نريد عطلة ثلاثة أيام؟"، بل "هل نستطيع –وبأي شكل– تحويل هذه الفكرة إلى واقع يخدم الجميع؟".
الإجابة ستتحدد خلال السنوات القادمة، لكن النقاش نفسه أصبح –بلا شك– جزءاً من مستقبل سوق العمل الأردني.