الأخبار

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : الحوكمة بين بريق المؤشرات وقسوة الواقع،

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : الحوكمة بين بريق المؤشرات وقسوة الواقع،
أخبارنا :  

في أدبيات الإدارة الحديثة، تُمثّل الحوكمة البوصلة التي تكفل كفاءة الأداء وشفافية الإنجاز. وفي مؤسساتنا، نشهد حراكاً لافتاً في تبني هذا المفهوم، تترجمه تقارير دورية مزودة بمؤشرات الأداء (KPIs) وقاعات تمتلئ بنقاشات المتابعة والتقييم. ورغم هذا المشهد الذي يوحي بالانتظام، إلا أن هناك فجوة واضحة بدأت تتسع بين الزخم الرقمي في التقارير وبين الأثر الملموس الذي ينشده المواطن، مما يستدعي وقفة لمراجعة ما يمكن تسميته بـ الحوكمة الشكلية.

إن تتبع مسارات التنمية، سواء محلياً أو إقليمياً، يكشف عن تحدٍ بنيوي يتمثل في تحويل الحوكمة من أداة إصلاحية إلى هدف إجرائي بحد ذاته. فالموظف أحياناً يجد نفسه يطارد نسب الإنجاز الورقية لإرضاء المتطلبات الرقابية، بينما تغيب الأسئلة الجوهرية عن جودة المخرجات وأثرها المستدام. هذه الثغرة تضعنا أمام حقائق رقمية تستدعي التأمل؛ ففي عام 2024، تشير البيانات الدولية إلى أن البنك الدولي وجه مخصصات تقارب 929 مليون دولار لدعم برامج تنموية في الأردن، إلا أن واقع التنفيذ الفعلي كشف عن تفاوت يثير التساؤل حول كفاءة التدفق.

على سبيل المثال، نجد برنامجاً حيوياً مثل الشباب والتكنولوجيا والوظائف بميزانية مرصودة بلغت 200 مليون دولار، ومع ذلك، كشفت المراجعات الرقابية عن تحديات في الصرف الفعلي لم يتجاوز مستويات متدنية. وهو مؤشر قوي على انسداد في الشرايين الإدارية والبيروقراطية العابرة للحدود التي تصطدم بها المبادرات الطموحة، مما يحرم الاقتصاد والشباب من فرص حقيقية للنمو والتمكين في وقت نحن فيه أحوج ما نكون لاقتناص كل فرصة.

هذا الانفصال بين لغة الأرقام والواقع يمتد ليشمل قطاعات حيوية كالتعليم؛ فبينما نفاخر بارتفاع نسب الالتحاق، تضعنا المؤشرات الدولية (مثل اختبارات PISA) أمام واقع يستوجب المكاشفة؛ حيث حلّ الأردن في مرتبة متأخرة (75 من أصل 81). إن هذا التباين يؤكد أن ديكور الإجراءات وتجميل التقارير لا يمكن أن يحجب الحقائق الميدانية، وأن الاستمرار في تغليب الكم على الكيف سيفاقم من كلفة الإصلاح مستقبلاً.

إن الخطورة لا تكمن فقط في ضعف النتائج، بل في قدرة هذا النمط من الإدارة على منح صانع القرار شعوراً زائفاً بالاستقرار. إننا اليوم بحاجة ماسة لتعريف جديد للحوكمة، ننتقل فيه من حوكمة الأنشطة إلى حوكمة الأثر. إن المؤشر الحقيقي الذي يجب أن نهتدي اليه هو ذلك الذي يقيس التغيير الإيجابي في حياة الناس، والتحسن الملموس في كفاءة الخدمات.

وفي الختام، فإن الحوكمة من منظور علم النفس الإيجابي ليست مجرد هياكل تنظيمية صماء، بل هي بيئة تمكينية تهدف لتعزيز المرونة النفسية والمجتمعية. فعند اتساع الفجوة بين الأرقام والواقع، يتسلل الإحباط التنموي إلى وجدان الشباب، مما يؤدي لتآكل الدافعية وفقدان الثقة بالمنجز. مانحتاجه ليس فقط إصلاح إداري، بل إعادة بناء الثقة عبر حوكمة تضع (الإنسان) في صلب اهتمامها؛ فالمؤشر الحقيقي للنجاح ليس في تغطية التقارير، بل في خلق حالة من الرضا النفسي والأمان المعرفي لدى الفرد.

مواضيع قد تهمك