الأخبار

د. هبة ابو عيادة : ندوبٌ لا تُرى: الغلظة لأهل البيت واللطف للغرباء

د. هبة  ابو عيادة : ندوبٌ لا تُرى: الغلظة لأهل البيت واللطف للغرباء
أخبارنا :  

تتجلى في زوايا الكثير من البيوت مأساة صامتة، بطلها إنسان يرتدي خارج منزله ثوب القديسين، يوزع الابتسامات كأنها هبات سماوية، ويغدق على الغرباء بكلمات من عسل، ويفيض بكرمه وعطاياه من فضل الله الذي آتاه. حتى إذا ما وطئت قدماه عتبة بيته، خلع قناع اللطف ليرتدي لأهله وجهاً كالحاً، وصدراً ضيقاً لا يطيق كلمة.

هذه الازدواجية ليست مجرد عصبية عابرة، بل هي طعنة في قلب المودة، وانفصام بين صورة يراد بها كسب ثناء الناس وحقيقة مخبأة خلف الجدران. إنه لمن المحزن أن يرى الغريب فيك أجمل ما تملك، بينما يقتات أهلك على بقايا أعصابك المحترقة وفضات غضبك. وكأن البيت هو المساحة الآمنة الوحيدة التي يُباح فيها اغتيال مشاعر الأقربين، ظناً بأن القرب يمنحنا الحق في القسوة، وأن دم الأرحام يغفر لنا خطيئة الجفاء دون حساب، فرفقاً بمن يغفرون دوماً.

إن الخديعة الكبرى التي يقع فيها هذا المرء هي اقتياته على مديح الأباعد؛ فحين يسمع كلمات الإعجاب بخلقه في الشارع أو العمل، يغفل عن الأنين الخافت لرحمه ووصية ربه ونبيه في بيته، ولا يبصر انكسار الضوء في عيني أمه التي تدفع بصمتها ثمن بقائه هادئاً، أو ضيق والده الذي كان ينتظر منه كلمة حانية تجبر تعب السنين أو أخواته التي من المفترض أن يكن لهن سندًا.

إن الثناء الخارجي ليس سوى ضجيج يحجب صوت الحقيقة المُرة؛ الحقيقة التي تقول إن اللطف الذي لا يبدأ من الداخل هو مجرد استعراض اجتماعي، فاقد للروح. فالمعدن الأصيل لا يلمع فقط تحت أضواء الغرباء، بل يتلألأ رحمةً في العتمة مع الذين شاركونا الحياة في مرها وحلوها، والذين يغفرون لنا آلاف المرات بينما لا يمنحنا الغريب فرصة ثانية واحدة.

كم هو مؤلم أن يصبح الغريب أولى بفيض حناننا من القريب، الذي يسكن الروح، وأن نعتبر المسؤوليات وضغوط الحياة صك غفران نرفعه في وجه إخوتنا وأبوينا لنبرر صراخنا وحدتنا. إن الضغوط لا تخلق القسوة، بل تخرجها من مكامنها لتفضح ضعف قدرتنا على الوفاء بأدنى حقوق الود.

إن الإنسان المتزن هو الذي يدرك أن أهله ليسوا مكبّاً لهمومه وغضب يومه المرهق، بل هم الملاذ الذي يجب أن يُصان بجميل القول وطيب المعشر وحسن المعاملة، فالرجولة والفضل ليس في فرض السطوة بالصوت العالي أو التجهّم، بل في ذلك الاحتواء الدافئ الذي يشعر كل من في البيت أنه في مأمن من لسانك ويدك، وأن حضوره في حياتك هو النعمة التي تخشى زوالها. فكما قال قدوتنا: خيركم خيركم لأهله.

إن هذه القسوة الانتقائية بمرور الزمن تبني حول الشخص سياجاً من العزلة العاطفية وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين؛ فالبيوت التي تفتقد للرحمة تصبح أجساداً بلا أرواح، يهرب أفرادها بقلوبهم بحثاً عن الدفء في مكان آخر، ولو ظلوا تحت سقف واحد.

حين يرى الصغير أباه أو أخاه الأكبر يفيض رقة مع الناس ويجفّ مع أهله، تُزرع في قلبه غصة تجعله يفقد الثقة في معنى الأخلاق، ويصبح البيت ساحة لانتظار الرحيل لا ملاذاً للسكنى ويتوارث العقوق والقطيعة.

قارئنا الكريم، القوة الحقيقية تكمن في ضبط غليان النفس أمام هفوات الأهل، وفي منحهم الأولوية في أرقى مشاعرك، فما أكرمهم إلا كريم وما أهانهم إلا لئيم. فما قيمة أن يحبك العالم بأسره وأنت غصة في حلوق أهل بيتك؟ وما نفع الابتسامة التي توزعها في الطرقات إذا كانت تنطفئ فور رؤية وجوه الذين أفنوا أعمارهم لأجلك؟ وما نفع الصدقات وأنت مقصر بمن أمرك دينك بالنفقة والإكرام.

فلنعِد تعريف الإنسان الخيّر في ذواتنا؛ فهو ليس ذاك الذي تصفق له الجماهير، بل هو ذاك الذي يترك أثراً من جبر الخواطر خلف باب منزله، ويزرع قبلة اعتذار على يد أمه، ويمنح إخوته وقتاً يملؤه الاحترام والتقدير. إن البيوت تُرمم بالكلمات التي نهمس بها في ساعات الصفاء، وبالصبر الذي نبديه حين تشتد العواصف، واللطف الحقيقي هو ذاك الذي لا يسقط عند أول اختبار مع الأقربين.

ابدأ رحلتك نحو النور من غرفتك، من طاولة طعامك، ومن حوار هادئ مع والديك؛ فمن لم يُزهر في بيته، فلن يثمر في حدائق الآخرين مهما ادعى الصلاح، والرحمة التي تبدأ من الداخل هي الوحيدة التي تملك القدرة على البقاء والخلود في ذاكرة القلوب.

ـ الراي

مواضيع قد تهمك