الأخبار

حلمي الحراحشة : مدرسة الهاشميين في الدبلوماسية: اتزان الدولة واستمرارية النهج

حلمي الحراحشة : مدرسة الهاشميين في الدبلوماسية: اتزان الدولة واستمرارية النهج
أخبارنا :  

منذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، شكّلت الدبلوماسية الهاشمية أحد أهم مرتكزات بناء القرار الوطني، ونهجًا راسخًا في إدارة العلاقات الخارجية، قائمًا على الحكمة والاعتدال واحترام التوازنات الدولية. فقد أدرك الهاشميون، عبر تاريخهم السياسي، أن قوة الدولة لا تُقاس بحدّة الخطاب، بل بعمق الرؤية، وأن حماية المصالح الوطنية تبدأ من قراءة واعية للتاريخ والجغرافيا، وفهم دقيق لتعقيدات الإقليم والعالم.

مدرسة دبلوماسية لم تُبنَ على المجازفة أو الشعبوية، بل على احترام القانون الدولي، وصون الكرامة الوطنية، والدفاع عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، دون الارتهان للمحاور أو الانجرار إلى سياسة ردّات الفعل. وهو ما رسّخ صورة الأردن دولةً متزنة، يُصغى إلى مواقفها، ويُوثق بدورها في المحافل الدولية.

وفي عالم اليوم، حيث تتسارع الأزمات، وتتزايد التوترات السياسية والاقتصادية، وتُدار الملفات الكبرى أحيانًا بمنطق الانفعال لا بمنهج التخطيط، تبرز قيمة الدول التي تمتلك وضوح القرار، وقدرة الدولة على ضبط إيقاعها السياسي بعيدًا عن الصخب. وفي هذا السياق، يواصل الأردن تقديم نموذج مختلف في السياسة الخارجية، يعكس امتداد مدرسة الدبلوماسية الهاشمية في صورتها المعاصرة.

لقد رسّخت الدبلوماسية الأردنية، بقيادة معالي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، حضورًا دوليًا فاعلًا، قائمًا على المواقف المبدئية، واحترام الشرعية الدولية، والتعامل مع القضايا الإقليمية بعقلانية سياسية تحمي المصالح الوطنية دون صدام أو تفريط. وهو ما جعل من الصوت الأردني صوتًا مسموعًا وموثوقًا في أكثر الملفات تعقيدًا.

السياسة الخارجية الأردنية لم تكن يومًا سياسة استعراض أو كثافة تصريحات، بل سياسة وزن موقف وأثره. فالأردن حافظ على موقعه دولةَ اتزان، وشريكًا موثوقًا، ووسيطًا يحظى بالاحترام والثقة.

هذا النهج انعكس بوضوح على أداء السلك الدبلوماسي الأردني في الخارج، حيث يعمل السفراء ضمن رؤية مؤسسية واحدة، تقوم على المهنية، والانفتاح، وحسن تمثيل الدولة، والقرب من هموم المواطنين.

وفي هذا الإطار، تبرز تجربة السفارة الأردنية في لندن نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، من خلال أداء السفير الأردني في المملكة المتحدة، معالي الدكتور منار الدباس، الذي جمع بين الحضور السياسي الفاعل والتواصل المباشر مع أبناء الجالية الأردنية، في نموذج يعكس فهمًا حديثًا لدور السفارة بوصفها بيتًا للأردنيين وامتدادًا للدولة.

وفي موازاة ذلك، يبرز الدور المتنامي لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي قدّم نموذجًا معاصرًا للدبلوماسية الأردنية، يجمع بين ثبات الموقف وحيوية الشباب، ويسهم في تعزيز صورة الأردن دولةً تفكّر بالمستقبل وتستثمر في الإنسان، دون التفريط بثوابتها الوطنية.

وانطلاقًا من هذا الأداء المتقدم، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الاستثمار في الدبلوماسية العامة والإعلامية، وتوسيع أدوات التواصل مع الرأي العام الدولي، وتمكين السفارات أكثر من أداء دورها كمنصات سياسية وثقافية واقتصادية، لا سيما في ظل التحولات الرقمية وتسارع تدفق المعلومات. كما تبرز أهمية البناء على كفاءة الدبلوماسي الأردني، وتطوير أدواته، وربط السياسة الخارجية بشكل أعمق بالجاليات الأردنية في الخارج بوصفها رصيدًا وطنيًا مؤثرًا.

وتبقى القيادة الهاشمية الحكيمة الإطار الناظم لهذا النهج، بما أرسته من اعتدال، وعمل مؤسسي، وحماية للقرار الوطني من الانفعال أو الارتهان، إلى جانب أداء حكومي يركّز على الإنجاز بهدوء، ويؤمن بأن النتائج الملموسة هي أصدق أشكال الخطاب السياسي.

إن قوة الأردن اليوم لا تكمن في رفع الصوت، بل في وضوح الرؤية، ولا في مجاراة الصخب، بل في الثبات وسط التحولات. دبلوماسية تُدار بعقل الدولة، ونهجٌ يؤكد أن الاتزان ليس خيارًا تكتيكيًا، بل هوية دولة واستمرارية مسار.

رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

مواضيع قد تهمك