د. محمد العزة : البوهميون الجدد…النيوليبرال الديجيتال و سقوط القيم.
د. محمد العزة
إنّ ظهور ملفات جرائم و فضائح إبستين في هذا التوقيت تحديدًا لم يكن وليد الصدفة البحتة، اذا ما تم ربطه مع تسلسل الأحداث السياسية العالمية ، خاصة تلك في مناطق الصراعات الساخنة ، يكشف بوضوح أن وراءه مغزى وأهدافًا كبرى، أخطرها الابتزاز السياسي بوصفه أداة أولى.
سيُدفع العالم لقراءة أول ثلاثة ملايين صفحة على أنها "حقيقة” تُبنى بها الثقة، تمهيدًا لما سيلحق لاحقًا من تسريبات مفبركة، نستيقظ معها على تلفيق وثائق تستهدف كل من يعارض مخططات هذه العصابة، وشبكة كارتيلات الدعارة السياسية الليبرالية الديجيتال المتوحشة، بهدف إنفاذ ما يُراد تمريره دون أي اعتبار للأخلاق أو الحقوق أو كرامة الإنسان، مع الاستمرار في التغني بالديمقراطية الغربية التي صدّعوا بها الرؤوس.
إن ملفات إبستين ليست سوى إعادة إنتاج لتجربة ويكيليكس، لكن هذه المرة بفظاعة أشد، نتيجة حجم الجرائم التي ارتكبها "البوهميون الجدد” ذوو العقلية والسلوكيات المنحرفة، الذين لم يراعوا لا القيم ولا الأخلاق الإنسانية، حتى إن براءة الأطفال لم تشفع لضحاياهم.
ولذلك جرت مراجعة أخطاء التجربة الأولى، فتم إخفاء "بطلها” نهائيًا، بينما أخفقوا سابقًا في إسكات جوليان أسانج صاحب ملفات ويكليكس.
غاية هذه المقالة إيصال رسالة واجبة إلى من يمثل الإدارة الأمريكية الحالية – المتورطة، على ما يبدو، بشكل واسع كما تكشف تسريبات ملفات إبستين – من سفراء، وموظفين في السلك الدبلوماسي، ومؤسسات دراسات تابعة لها:
بأنه لا يمكن ولا يجوز توجيه أي تعليق أو فتح أي نقاش و الترويج له داخل المجتمعات عمومًا حول ملفات سياسية تستهدف دولهم، أو الخوض في أحاديث تقييم مستويات ممارسة الديمقراطية ، أو اتهامات الشمولية و الديكتاتورية ، دون مقارنته بما تظهره الإدارة الأمريكية الحالية من عدائية و فوقية تجاه العالم أجمع .
لقد ثبت اليوم للعالم زيف ادعاءات بعض الدول الكبرى و أدعاءها المدنية و التحضر وأن المطالبة لغيرها ، بتبني معايير محددة للحريات والحقوق العامة لم تكن سوى وهم أخلاقي وسقوط سياسي و قيمي ، تدّعيه جهات أسقطت من حساباتها قيم الاحترام للمبادئ الربانية والإنسانية، وجعلت من أفكارها السامة، و منظومتها الأخلاقية الفاسدة، و ساديتها، مرجعية لسلوكها أثناء تولي القيادة و إدارة السلطة.
ختامًا، لعل بيت الشعر التالي يكون خير رد شافٍ يفسر حال ما نعيشه:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي بمثلهِ
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ