الأخبار

القس سامر عازر يكتب : ستة وعشرون عاما على مبادرة أسبوع الوئام الديني.. فماذا حققنا؟

القس سامر عازر يكتب : ستة وعشرون عاما على مبادرة أسبوع الوئام الديني.. فماذا حققنا؟
أخبارنا :  

القس سامر عازر


ستة وعشرون عاما أي ستة وعشرون أسبوعاً من الوئام الديني العالمي منذ أن أُطلقت المبادرة الملكية السامية عام 2010 في الأمم المتحدة، وما زال السؤال مشروعاً وملحّاً: ماذا أنجزنا؟ وأين نقف اليوم بين الفكرة والتطبيق، وبين النوايا الحسنة والتحوّلات الملموسة في واقعنا المحلي والعالمي؟


لقد جاءت مبادرة أسبوع الوئام الديني العالمي من الأردن، لا بوصفه دولة في الجغرافيا فحسب، بل رسالة في التاريخ والروح. جاءت امتداداً لنهج راسخ يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، في تعزيز اللحمة الوطنية، وترسيخ ثقافة قبول الآخر، والبحث الجاد عن المشتركات الإنسانية والقيمية والأخلاقية التي تجمع ولا تفرّق. مبادرة تقول للعالم إن الأديان السماوية، في جوهرها، ليست ساحات صراع بل ينابيع حياة، لأن "كل موهبة سامية وكل عطية كاملة هي من عند أبي الأنوار".

على الصعيد الأردني، يمكن القول إن المبادرة لم تبدأ من فراغ، بل وجدت أرضاً خصبة في تجربة وطن عرف العيش المشترك معا ممارسة يومية قبل أن يكون شعاراً. وقد أسهمت المبادرة في تعميق هذا المسار، فشهدنا تحولات ملموسة في الخطاب العام، ولقاءات وفعاليات ومبادرات تربوية وشبابية حاولت أن تنقل الوئام من مستوى التنظير إلى مستوى الحياة اليومية. وبدأت فكرة "الاختلاف غير المتخاصم" تجد لها مكاناً أوسع في الوعي الجمعي، بوصفها غنىً لا تهديداً، وقوةً لا ضعفاً.


ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الوئام لا يُقاس بعدد المؤتمرات ولا بكثرة البيانات، بل بقدرته على تغيير السلوك، وتهذيب الخطاب، وتجفيف منابع الكراهية، لا سيما في أوقات الأزمات والاحتقان. فالاختبار الحقيقي للوئام هو حين نختلف، لا حين نتفق.


أما عالمياً، فقد نجحت المبادرة في أن تحجز مكانها على أجندة الأمم المتحدة، وأن تتحول إلى أسبوع معترف به دولياً، يُحتفى به في عواصم وثقافات متعددة. وهذا بحد ذاته إنجاز أخلاقي وسياسي، يؤكد أن الأردن ليس فقط صانع سلام سياسي، بل حامل رسالة سلام روحي وإنساني. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن العالم، وهو يحتفل بالوئام، ما زال غارقاً في صراعات تُرتكب باسم الدين، وخطابات كراهية تُغذّى من إساءة فهم المقدّس أو توظيفه.


وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يمكننا أن نفعل عملياً استناداً إلى روح هذه المبادرة السامية؟ كيف ننتقل من الاحتفاء إلى البناء، ومن الشعار إلى المنهج؟

لعل البداية تكون بإدماج الوئام الديني في مناهج التربية والتعليم لا كفقرة عابرة، بل كثقافة متكاملة، يتعلّم فيها أبناؤنا أن كرامة الإنسان تسبق انتماءه، وأن الاختلاف لا يلغي الأخوّة الإنسانية. ويأتي بعدها تطوير خطاب ديني شجاع، خطاب شراكة لا مجاملة، يعترف بالآخر من منطلق الإيمان بأن الله لا يُحتكر، وأن "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون".

كما أن الوئام الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى فعل مشترك في خدمة الإنسان، حين يعمل المؤمنون معاً لإطعام جائع، ومداواة مريض، والدفاع عن مظلوم، لأن القيم لا تُقاس بجمال الكلمات بل بصدق الأفعال. ولا يقل أهمية عن ذلك امتلاك الشجاعة لنقد الذات، لأن الوئام لا يعني تلميع الصورة، بل مراجعة الخطاب الإقصائي داخل كل جماعة دينية، والاعتراف بأن الكراهية تبدأ أحياناً من الداخل قبل أن تُصدَّر إلى الخارج.


ستة وعشرون على مبادرة أسبوع الوئام الديني ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل دعوة صادقة للمراجعة والتجديد. لقد قدّم الأردن الفكرة، وفتح الباب، وأضاء الشمعة. ويبقى علينا، أفراداً ومؤسسات، أن نحمي هذا الضوء من الرياح العاتية، وأن نؤمن بأن الوئام ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية في عالم متعب. فحين نعيش الوئام، لا نكون قد خدمنا أوطاننا فحسب، بل نكون قد حافظنا على قيمة الكرامة الإنسانية، وشهدنا لله الذي جعلنا مختلفين لكي نتعارف، لا لكي نتناحر.

مواضيع قد تهمك