اسماعيل الشريف يكتب : تيك توك تنهار
إيّاك والمِراء، فإنّه يُفسِد الصَّداقة القَديمة، ويحلّ العُقدة الوَثيقة-عبد الله بن الحسن.
خلال حرب الإبادة في قطاع غزة، برزت منصة «تيك توك» كإحدى القنوات الرقمية النادرة التي أتاحت نشر محتوى مرئي موثّق من داخل القطاع، يتضمن شهادات فلسطينية مباشرة وتوثيقًا لهمجية قوات الاحتلال. وعلى الرغم من النفوذ الصهيوني الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، كشفت دراسة أكاديمية أجرتها جامعة نورث إيسترن في أيلول 2025 عن تفوق رقمي لافت: مقابل كل منشور يساند رواية الكيان الصهيوني على «تيك توك»، ظهر نحو سبعة عشر منشورًا يدعم الرواية الفلسطينية. يعكس هذا التفاوت تحولًا جوهريًّا في الرأي العام العالمي، تجلى في تصاعد التعاطف مع سكان غزة، ورفض واضح للإبادة، وتنامي الإدانة الدولية للكيان الصهيوني.
أدى هذا الحضور المكثف للمحتوى الفلسطيني إلى نشوء توتر استراتيجي بين المنصة والإدارة الأمريكية، الداعمة للصهاينة، كما أضعف فاعلية الآليات الإعلامية التقليدية والمنصات الرقمية الأخرى التي سعت لتهميش أو إعادة تأطير الأحداث في غزة. تمثل هذه الآليات الإعلامية الأدوات ذاتها التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في تسويغ تدخلاتها العسكرية ومواقفها السياسية العدوانية على المستوى الدولي.
تكمن الإشكالية المحورية لـ»تيك توك» من المنظور الغربي في انفلاته من آليات الرقابة والتوجيه المعتادة، مما أتاح انتشار خطابات بديلة حول القضية الفلسطينية، والعدالة المجتمعية، وقضايا العمل، والتدخلات الإمبريالية بسرعة فاقت قدرة الأطر المؤسسية التقليدية على ضبطها أو احتوائها.
إزاء هذا التحدي الاستراتيجي، سعت الجهات الأمريكية والصهاينة لمعالجة لهذه المعضلة من خلال فرض قيود تقنية وتشريعية على التطبيق، غير أن هذه المحاولات لم تحقق النتائج المرجوة؛ حيث تمكن المستخدمون من تجاوز هذه العوائق بيسر والمواظبة على استخدام المنصة دون انقطاع ملموس.
في ضوء هذا المأزق، لجأت الأطراف المعنية إلى تطبيق مبدأها البراغماتي المعروف: If you can’t beat them, join them «إذا لم تستطع هزيمتهم، فانضمّ إليهم». وعليه، توجهت الجهود نحو الاستحواذ على المنصة؛ حيث أُسندت المهمة إلى لاري إليسون، مؤسس ومالك شركة «أوراكل» العملاقة وأحد أبرز الأثرياء عالميًا. يتميز إليسون بتوافقه الاستراتيجي مع أولويات الأمن القومي الأمريكي، وصلاته الراسخة مع القيادة الصهيونية، فضلاً عن دعمه العلني لأنظمة المراقبة الموسّعة تحت ذريعة الاستقرار.
في عام 2017، قدّم إليسون تبرعًا بقيمة 16.6 مليون دولار لمنظمة «أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي»، وهو أكبر تبرع فردي في تاريخ المنظمة آنذاك، كما تربطه علاقات وثيقة بمجرم الحرب نتن ياهو. وفي عام 2021 أسست «أوراكل» مركزًا لتخزين البيانات في القدس المحتلة، وشاركت في مشاريع سرية مع سلاح الجو الصهيوني. وبالإضافة إلى ذلك، تدير الشركة حاليًا بيانات حكومية أمريكية بالغة الحساسية، وترتبط بعقود واسعة مع مؤسسات عسكرية واستخباراتية، مما يرسّخ موقعها كأداة محورية في المنظومة الأمنية الأمريكية، وبالتبعية، في خدمة المصالح الصهيونية.
غير أن المفاجأة غير المتوقعة تمثّلت في أنه فور الإعلان عن صفقة الاستحواذ، شهدت معدلات إلغاء تثبيت تطبيق «تيك توك» قفزة تاريخية بنسبة 150% مقارنة بالمعدلات الاعتيادية. وبحسب تقرير نشره موقع TechStartups، حدثت هذه الزيادة الحادة خلال أيام معدودة من إتمام الصفقة، مما يعكس رفضًا جماعيًّا من المستخدمين الذين اعتبروا الخطوة استيلاءً ذا دوافع سياسية وتقييدًا للفضاء الرقمي الحر، وليس إجراءً يستهدف حماية الأمن القومي كما جرى تسويقه رسميًّا.
فاقم من حدة الأزمة أن عددًا متزايدًا من المستخدمين بدأوا الإبلاغ عن حذف وتقييد محتوى ذي طابع سياسي حساس، تضمن مقاطع موثّقة لعمليات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، ومشاهد لتجاوزات الشرطة، ومواد متصلة بشخصيات نافذة مرتبطة بفضيحة جيفري إبستين، وهي محتويات كانت قد حققت انتشارًا واسعًا سابقًا. وعلى الرغم من نفي إدارة «تيك توك» ممارسة أي رقابة ممنهجة، وثّق مستخدمون عبر منصات متعددة اختفاء مقاطع بأكملها، وتلقّي إشعارات تحذيرية على حساباتهم، وزوال محتوى بشكل مفاجئ، مما أثر بصورة مباشرة في مدى وصوله وانتشاره الرقمي.
في المقابل، سجلت منصات بديلة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التحميل، إذ اتجه المستخدمون للبحث عن فضاءات رقمية أقل انخراطًا في المنظومة السياسية الأمريكية. فقد ارتفعت تحميلات تطبيق UpScrolled، الذي أسسه الأردني من أصل فلسطيني عصام الحجازي، في الولايات المتحدة بأكثر من عشرة أضعاف على أساس أسبوعي، بينما قفزت تحميلات Skylight Social بنسبة 919%، فيما حقق تطبيق RedNote زيادة بلغت 53%.
على الرغم من أن هذه المنصات البديلة لا تقارن بعد بالحجم الجماهيري لـ»تيك توك»، فإن حركة الهجرة الرقمية ذاتها تكشف عن تصدّع جوهري في الثقة؛ إذ لم يعد شريحة واسعة من المستخدمين تعتقد أن المنصات الخاضعة للنفوذ الأمريكي ستتيح تداول الخطاب السياسي الحقيقي بحرية. وتمثل نسبة الإلغاء الاستثنائية هذه استفتاءً عفويًا يعبّر عن رفض الجمهور لهيمنة نخبة المليارديرات، ولسيطرة الشركات المتشابكة مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وللسياسات الصهيونية التي تسعى لحجب الانتهاكات المرتكبة عالميًا، والتحكم فيمن يملك صلاحية إظهار المحتوى أو إخفائه. وبالنسبة لقطاع واسع من المستخدمين، جاء الرد على هذه الصفقة واضحًا وقاطعًا ولا لبس فيه: احذف التطبيق قبل أن تُحذف الحقيقة نفسها. ــ الدستور