م. سعيد بهاء المصري يكتب : شكل اقتصادات الدول الغربية المستقبلية في عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات
بنية مالية واجتماعية متمحورة حول الاستقرار في ظل أنماط العمل الهجينة
الملخص التنفيذي
(يشكّل هذا الملخص الإطار الحاكم والمُفَسِّر لكامل التقرير)
تشهد الاقتصادات الغربية المتقدمة تحولات عميقة بفعل التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأنظمة الإنتاج كثيفة البيانات. ففي حين يواصل التقدم التكنولوجي رفع الإنتاجية الكلية وربحية الشركات، فإنه بات يفعل ذلك على نحوٍ متزايد من دون أن يترجم بصورة متناسبة إلى نمو واسع في الأجور، أو استقرار في فرص العمل، أو إيرادات مالية عامة يمكن التنبؤ بها اعتمادًا على العمل. والنتيجة ليست قطيعة فورية مع اقتصاد العمل، بل اتساع فجوة بنيوية بين خلق القيمة من جهة، والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية المتمحورة حول العمل والتي ورثتها هذه الاقتصادات من القرن العشرين من جهة أخرى.
يجادل هذا التقرير بأن التحدي الجوهري الذي تواجهه الدول الغربية الثرية لم يعد يتمثل في البطالة الدورية أو في فقدان مؤقت للوظائف، بل في اختلال بنيوي شامل: إذ أصبحت القيمة الاقتصادية تُنتج بشكل متزايد من خلال عمليات كثيفة رأس المال، ومؤتمتة، وغير مادية، في حين لا تزال أنظمة الحماية الاجتماعية، وتوزيع الدخل، والمالية العامة تعتمد بنيويًا على الدخل المرتبط بالعمل والضرائب المفروضة على الأجور. وحتى في الحالات التي تبدو فيها معدلات التوظيف الإجمالية مستقرة، فإن إزاحة العمالة المستمرة، وتقلب دخل العمل، وتدهور جودة الوظائف، وتآكل القاعدة الضريبية المرتبطة بالعمل تكشف عن هشاشة متزايدة في الاستدامة المالية والشرعية الاجتماعية.
إن التحول الجاري هو تحول هجين لا مطلق. فالأتـمتة غالبًا ما تُكمّل العمل البشري قبل أن تحلّ محله، كما تختلف آثارها بصورة واضحة باختلاف القطاعات، والفئات السكانية، والآفاق الزمنية. فالقطاعات الصناعية، واللوجستية، والمالية، والخدمات الإدارية تشهد ضغوط إزاحة عمالة أسرع، في حين تحتفظ قطاعات الرعاية، والتعليم، والخدمات المرتبطة بالمكان بدرجة أعلى من كثافة العمل. ونتيجة لذلك، يُرجَّح أن تعمل الاقتصادات المتقدمة لفترة ممتدة ضمن أنماط عمل هجينة، تتراجع فيها تدريجيًا مركزية العمل بدوام كامل باعتباره القناة الحصرية للدخل والمكانة والمساهمة الاجتماعية، من دون أن يختفي بالكامل.
وفي هذا السياق، يطوّر التقرير بنية مالية واجتماعية متماسكة صُمِّمت لتبقى صالحة عبر مجموعة من السيناريوهات المحتملة، تمتد من التكامل المعتدل بين الإنسان والتكنولوجيا إلى أشكال أعمق من إزاحة العمالة الناتجة عن الأتمتة. وبدلًا من التنبؤ بحالة نهائية حتمية واحدة، يتعامل هذا الإطار مع استمرارية الدخل، والاستقرار الاجتماعي، والسلامة المالية بوصفها أهدافًا سياساتية أولية، مستقلة عن المستوى الدقيق للتوظيف في المستقبل.
ويستند هذا التصور إلى أربعة مرتكزات رئيسية:
الانتقال من دولة متمحورة حول العمل إلى دولة متمحورة حول الاستقرار؛
إضفاء الطابع المؤسسي على استمرارية الدخل باعتبارها سمة هيكلية للاقتصادات الحديثة لا مجرد سياسة رعاية متبقية؛
إعادة التوازن التدريجي للمالية العامة باتجاه مصادر القيمة كثيفة الأتمتة، مع الإقرار بالقيود السياسية والدولية؛
تمويل اجتماعي محكَم ومُسيَّج، لكنه منسَّق ضمن ميزانية اجتماعية موحّدة.
وقد صُمِّم هذا الإطار ليكون متحفظًا في افتراضاته، وصريحًا في ما يتعلق بقيود الاقتصاد السياسي، ومُركِّزًا على الحفاظ على الشرعية، والاندماج الاجتماعي، والاتساق المالي في اقتصادات تتزايد فيها الفجوة بين الإنتاجية، والأرباح، ونتائج سوق العمل.
1. التشخيص البنيوي: من اقتصادات متمحورة حول العمل إلى خلق قيمة هجينة
1.1 الفجوة المتسعة بين الإنتاجية ودخل العمل
على مدى العقدين الماضيين، أظهرت الاقتصادات المتقدمة تباعدًا مستمرًا بين نمو الإنتاجية ونمو الأجور المتوسطة. وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه يسبق الطفرات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، فإن الأتمتة تُسرّعه عبر تمكين خلق القيمة مع اعتماد متناقص على ساعات العمل البشرية. ولا يعني ذلك اختفاء العمل، بل تراجع الارتباط بين العمل المنجز والقيمة المُلتقَطة.
أصبحت الشركات توسّع إنتاجها وإيراداتها ونطاقها السوقي من خلال تعميق رأس المال، وتراكم البيانات، والتحسين الخوارزمي. وتتناقص المساهمة الحدّية لوحدات العمل الإضافية في إجمالي خلق القيمة في العديد من القطاعات، حتى وإن بقي التوظيف الكلي مستقرًا بفعل إعادة توزيع المهام أو توسّع قطاع الخدمات.
1.2 التكامل، إحلال الوظائف، وانتشار غير متكافئ لإزاحة العمالة
تتطور الأتمتة عبر مراحل متداخلة:
التكامل: حيث تعزّز تقنيات الذكاء الاصطناعي أداء المهام البشرية؛
إحلال جزئي للوظائف: حيث تُؤتمت المهام الروتينية والقابلة للترميز، مؤدية إلى إزاحة عمالة في قطاعات محددة؛
إعادة التركيب: حيث تظهر أدوار جديدة، غالبًا بقوة تفاوضية أو استقرار دخل أدنى.
تتعايش هذه المراحل بين القطاعات، ما يجعل أسواق العمل تبدو متماسكة على المستوى الكلي، في حين تُخفي تحولات أعمق تتعلق بجودة الوظائف، وتقلب الدخل، وأنماط المساهمة المالية.
1.3 إشكالية الاختلال المالي
لا تزال معظم النظم المالية في الدول الغربية قائمة على ضرائب الرواتب، وضريبة الدخل على العمل، والمساهمات الاجتماعية المرتبطة بالتوظيف. ومع ركود حصة العمل من الدخل أو تراجعها نتيجة إزاحة العمالة البنيوية، تواجه هذه النظم تآكلًا بنيويًا في قاعدتها الضريبية، حتى في غياب بطالة واسعة النطاق. وينتج عن ذلك فجوة متنامية بين الالتزامات الاجتماعية ومصادر الإيرادات المستدامة.
2. أنماط العمل الهجينة وحدود السياسات المتمحورة حول التوظيف
2.1 لماذا لم يعد التوظيف الكامل ركيزة كافية
لا يزال التوظيف ذا قيمة اقتصادية واجتماعية. غير أن التعامل معه باعتباره المبدأ التنظيمي الأوحد للحماية الاجتماعية بات يواجه أزمة مصداقية. فالسياسات التي تعطي الأولوية لعدد الوظائف على حساب استقرار الدخل تُخاطر بتوسيع نطاق الوظائف الهشة منخفضة الجودة الناتجة عن إزاحة العمالة الجزئية دون معالجة الضغوط المالية أو الاجتماعية.
في أنماط العمل الهجينة، يصبح التوظيف أحد الأعمدة لا العمود الوحيد للأمن الاقتصادي.
2.2 نطاقات سيناريوهات بدل مستقبل حتمي واحد
يعتمد التقرير ثلاثة سيناريوهات عامة لإزاحة العمالة بفعل الأتمتة:
السيناريو (أ): أتمتة تكاملية
يبقى التوظيف مستقرًا عمومًا، مع اتساع التفاوت في الأجور وتقلبها.
السيناريو (ب): نظام ما بعد العمل الجزئي
تتراجع أهمية العمل بدوام كامل نسبيًا، وتتوسع أنماط العمل الجزئي والمتشظي نتيجة إزاحة عمالة متكررة، ويزداد تقلب الدخل.
السيناريو (ج): أتمتة عميقة
تحتفظ أقلية من السكان في سن العمل بوظائف تقليدية بدوام كامل، بينما تتركز عملية خلق القيمة في قطاعات كثيفة رأس المال مع إزاحة عمالة واسعة النطاق.
يبقى الإطار المقترح صالحًا في السيناريوهين (ب) و(ج)، كما يعزز المتانة حتى في السيناريو (أ).
2.3 مخاطر الشرعية الاجتماعية
عندما يتوقف الانخراط الاقتصادي عن كونه ضمانة للأمن المعيشي بفعل إزاحة العمالة وتقلب الدخل، تواجه المجتمعات أزمة شرعية. ومن دون آليات موثوقة لاستمرارية الدخل، تتصاعد الاستقطابات السياسية، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، وتتزايد مقاومة التقدم التكنولوجي.
3. استمرارية الدخل كبنية تحتية مؤسسية
3.1 من رعاية متبقية إلى دخل مساهم
تتطلب إزاحة العمالة المستمرة وتقلب الدخل إضفاء الطابع المؤسسي على استمرارية الدخل باعتبارها مكونًا طبيعيًا من مكونات الحياة الاقتصادية. ويجب أن يتسم هذا الدخل بكونه:
قابلًا للتنبؤ،
قائمًا على الحقوق،
ومندمجًا في النظام المالي.
إن التعامل مع استمرارية الدخل بوصفها دخلًا خاضعًا للضريبة ومساهمًا يعزز الكرامة والتكافل الاجتماعي، شريطة وجود ضمانات تمنع الآثار التراجعية.
3.2 ضمانات التصميم: تجنب فخ الرعاية
يتطلب التصميم الفعّال:
حدًا أدنى معفى من الضريبة،
ائتمانات دخل تشجع العمل،
فصلًا واضحًا بين الضريبة واختبارات الاستحقاق.
الهدف ليس استبدال العمل، بل تثبيت الدخل حيث تعجز أسواق العمل عن تعويض آثار إزاحة العمالة البنيوية.
4. إعادة توازن المالية العامة في اقتصادات كثيفة الأتمتة
4.1 ريع الأتمتة والأرباح الفائضة: قدرة مشروطة
مع تركز خلق القيمة في القطاعات كثيفة الأتمتة وما يرافقه من إزاحة عمالة، يتعين على الدول إعادة توجيه نظمها المالية تدريجيًا نحو العوائد كثيفة رأس المال. غير أن هذه القدرة مشروطة بقيود حركة رأس المال، والتحايل التنظيمي، والمنافسة الدولية.
4.2 سلّم الجدوى
تُعدّ المراحل المتسلسلة ضرورية:
إنفاذ المنافسة ومنع الاحتكار داخليًا
المشتريات العامة الاستراتيجية وحوكمة البيانات والحوسبة
التنسيق مع الحلفاء حول المعايير الدنيا
آليات النفاذ إلى السوق والتعديلات الحدودية حيثما أمكن
لا تكفي أداة واحدة؛ بل تنشأ المتانة من التراكم المرحلي.
5. تمويل اجتماعي مُسيَّج لكنه منسَّق
5.1 صناديق متخصصة برقابة موحدة
تُدار استمرارية الدخل، وإعادة التأهيل، والاستقرار الناتج عن إزاحة العمالة بشكل أفضل عبر صناديق مسيّجة لضمان الشفافية والثقة. غير أن التجزئة يجب تجنبها من خلال ميزانية اجتماعية موحدة.
5.2 المثبتات التلقائية والحوكمة
ينبغي أن تتضمن الصناديق:
مثبتات تلقائية مضادة للدورات الاقتصادية،
قواعد نقل بين الصناديق في حالات الصدمات المرتبطة بإزاحة العمالة الواسعة،
تدقيقًا مستقلًا ورقابة برلمانية.
6. قوة السوق، ديناميكيات التسعير، والاستقرار الكلي
قد تعزز الأتمتة البنى الاحتكارية، ما يزيد من قوة التسعير وتركيز الأرباح، ويُسرّع إزاحة العمالة. ومن دون سياسات موازنة، ينشأ خطر تضخم مستمر مقترن بانعدام الأمن الدخلي.
تلعب سياسات المنافسة، وتنظيم البنى الرقمية، وخيارات البنية التحتية العامة دورًا استقراريًا في الاقتصادات الهجينة.
7. قياس النجاح بما يتجاوز التوظيف
يجب تقييم النجاح الاقتصادي من خلال:
استقرار الدخل في ظل إزاحة العمالة،
المتانة التوزيعية،
الاستدامة المالية،
والشرعية الاجتماعية.
يبقى التوظيف مهمًا، لكنه لم يعد مقياسًا كافيًا بمفرده.
الاستنتاج: الحوكمة من أجل الاستقرار في زمن التحول البنيوي
لا يُنهي عصر الذكاء الاصطناعي العمل، لكنه يعيد تشكيل العلاقة بين العمل، والقيمة، والنظام الاجتماعي عبر إزاحة العمالة وتحوّل أنماط الدخل. وتواجه الدول الغربية الثرية خيارًا واضحًا: إما التمسك بأنظمة متمحورة حول التوظيف تحت ضغوط متزايدة، أو تكييف مؤسساتها مع واقع هجين جديد.
يقدم هذا التقرير بنية واقعية، واعية بالاقتصاد السياسي، ومتسقة ماليًا لإدارة هذا الانتقال بما يحافظ على الابتكار، ويصون الاستقرار، والكرامة، والشرعية الديمقراطية. ــ الدستور