كنان المبيضين : بين العداء السياسي والعداء الوجودي: كيف ترى الدول العربية إيران وإسرائيل؟
في العالم العربي، لا تُبنى المواقف السياسية على العاطفة وحدها، بل على التجربة والتاريخ وحسابات الأمن القومي. ومن هنا، يصبح التفريق بين الخلاف مع إيران والعداء مع إسرائيل ضرورة فكرية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
العرب، وعلى رأسهم الأردن، لم يكونوا يومًا ضد دولة بسبب اختلافها الثقافي أو الديني، بل كانت المواقف دائمًا مرتبطة بالسلوك السياسي والتدخلات الإقليمية. إيران تمثل مثالًا واضحًا على ذلك. فالموقف العربي من إيران ليس موقفًا ضد الشعب الإيراني، بل هو موقف ضد سياسات دولة انتهجت التوسع، وتصدير الفوضى، ودعم الميليشيات، وتغذية الصراعات الطائفية في سوريا والعراق واليمن ولبنان وليبيا، وآخرها في غزة.
هذا الدور لم يكن يومًا مقاومة كما تحاول طهران تصويره، بل تحوّل إلى انحراف ديني وسياسي خطير، اقترب في ممارساته من الفكر الداعشي أكثر مما اقترب من أي مشروع تحرري حقيقي. وكانت النتيجة دولًا مدمرة، ومجتمعات ممزقة، وسيادة وطنية منهكة.
في المقابل، تمثل إسرائيل حالة مختلفة تمامًا في الوعي العربي. فالصراع معها ليس خلافًا سياسيًا يمكن إدارته أو احتواؤه، بل هو صراع وجودي. ورغم الخلافات العربية العميقة والتباينات الحادة في السياسات والمصالح، يبقى هناك قاسم مشترك شبه مطلق، وهو الرفض الشعبي العربي لإسرائيل بوصفها مشروعًا استيطانيًا قام على اغتصاب الأرض ونفي الآخر وتدمير الهوية.
القضية الفلسطينية لم تعد اليوم قضية محلية محصورة غرب نهر الأردن، بل تحولت إلى ملف إقليمي ودولي مفتوح. إلا أن هذا التحول لم يكن دائمًا في مصلحة الفلسطينيين، بل استُخدم من قبل أطراف إقليمية، وعلى رأسها إيران، كذريعة لتوسيع النفوذ داخل الدول العربية تحت شعار محاربة إسرائيل، بينما كانت النتائج الحقيقية هي زعزعة استقرار العواصم العربية.
المفارقة أن المستفيد الأكبر من هذا المشهد المعقد كان الولايات المتحدة الأمريكية. فباسم الخطر الإيراني، باعت واشنطن المنطقة كميات هائلة من الأسلحة المتطورة من صواريخ وطائرات ومسيّرات، وحتى تقنيات متقدمة، بحجة حماية الدول، بينما عززت في الواقع وجودها العسكري داخل قواعدها المنتشرة في المنطقة.
ومن زاوية أكثر جدلية، يمكن القول إن إيران لعبت، عن قصد أو دون قصد، دور الحليف غير المعلن للولايات المتحدة. فقد ساهمت سياساتها التصعيدية في تبرير سباق التسلح ورفع مستوى الاعتماد الأمني على واشنطن، إلى أن بدأ هذا الدور يقترب من نهايته، بانتظار بديل جديد يُستثمر في معادلة الخوف، سواء عبر النفط أو اليورانيوم المخصب أو تهديدات أخرى.
الخلاصة أن العالم العربي قادر على التمييز بين العداء السياسي والعداء الوجودي. إيران تُعارَض بسبب سياساتها، ويمكن نظريًا تغيير هذا المسار بتغيير السلوك. أما إسرائيل، فتبقى قضية وجود، لا خلاف حدود ولا نزاع مصالح. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة رهينة صراعات تُدار من الخارج، وتُدفع أثمانها من استقرار وأمن الشعوب ال
mubaidink3@gmail.com