بنوك خفية وعقود وهمية.. مصر تفكك شبكات خطيرة ودولية لغسيل الأموال
القاهرة: محمد مخلوف
كثفت وزارة الداخلية المصرية، خلال الآونة الأخيرة، من هجماتها الممنهجة لاستئصال جرائم "غسيل الأموال" وسط تحركات واسعة ليس فقط لضبط الجناة، بل لضرب البنية التحتية لثروات العناصر الإجرامية، ومنع إعادة تدوير "الأموال" في الشرايين الاقتصادية للمجتمع.
ونجحت الأجهزة الأمنية في توجيه صفعات قوية لشبكات غسيل الأموال، كان أبرزها مؤخراً ضبط 4 عناصر جنائية متورطة في غسل أموال ناتجة عن الاتجار بالمواد المخدرة، حيث حاول هؤلاء التمويه على مصدر أموالهم عبر تأسيس أنشطة تجارية وشراء عقارات ومركبات لإضفاء صبغة شرعية عليها.
وقدرت القيمة المالية لعمليات غسيل الأموال خلال أيام قليلة بملايين الجنيهات، تحصل عليها المتهمون من أنشطة جلب وتهريب السلاح والمخدرات.
ما سر هذه العصابات وكيف تعمل وما طرق مواجهتها؟
يقول أمنيون مصريون لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إنه لا توجد دراسات أو إحصائيات دقيقة توضح حجم غسيل الأموال محلياً ولكنها تشير إلى مليارات الجنيهات من خلال الواقع وجهود المؤسسات المعنية في هذا الشأن، موضحين أن تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تشير إلى الحجم الضخم لمعدل الجريمة دولياً حيث تتراوح بين 3% و 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، أي ما يعادل 2.2 إلى 3.7 تريليون دولار.
ويقول مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء رأفت الشرقاوي، في تصريحات لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إن غسيل أو تبييض الأموال جريمة اقتصادية تهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على أموال محرمة، لغرض حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو تحويلها أو نقلها أو التلاعب في قيمتها إذا كانت متحصلة من جرائم مثل زراعة وتصنيع النباتات المخدرة أو الجواهر والمواد المخدرة وجلبها وتصديرها والاتجار فيها.
وتابع أن غسيل الأموال قد يكون أيضاً من خلال اختطاف وسائل النقل، واحتجاز الأشخاص وجرائم الإرهاب وتمويلها، والنصب وخيانة الأمانة والتدليس، والغش، والفجور والدعارة، والاتجار وتهريب الآثار، مؤكداً أن هذه الجرائم تعتبر من الجنايات والجنح المضرة بأمن الدولة من جهة الخارج والداخل.
3 مراحل لتوظيف الأموال
وأشار اللواء الشرقاوي إلى أن مراحل توظيف الأموال تمر من خلال ثلاث مراحل وهي "الإيداع والتمويه والدمج"، وللجريمة نوعان، الأول هو متحصلات عمل غير مشروع وإعادة تدويرها في عمل مشروع لإضفاء الشرعية عليها، والثاني هو مال من مصدر مشروع وينفق في مصدر غير مشروع مثل تمويل الإرهاب وشراء أسلحة وذخائر ومفرقعات أو الشراء من دول عليها حظر، لافتاً إلى أن العالم يواجه عمليات غسيل الأموال بسن المزيد من القوانين لوقف تدوير الأموال الناتجة عن أعمال مشبوهة أو جرائم مالية.
وتابع مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق أن عمليات غسل الأموال لها تأثير شديد السلبية على الاقتصاد إضافة إلى تصنيف دولة ما بأنها عالية المخاطر بسبب غسيل الأموال، وهذا له تأثيرات طائلة على سمعتها ومكانتها الدولية ويحد من وصولها إلى النظام العالمي وزيادة تكلفة ووقف المعاملات المالية ويضر بسمعة الاقتصاد.
تأثيرات سلبية
كما أوضح أن هذا الأمر يؤدي إلى انخفاض تنافسية الأسواق وتراجع التجارة والتصدير وانخفاض الاستثمار الأجنبي وانسحاب الشركات والمؤسسات المالية العالمية من السوق وزيادة العبء على الأفراد والمؤسسات في التعاملات المالية والتجارية والاستثمارية مع الخارج.
ولمواجهة ذلك، يقول المسؤول الأمني الأسبق إن الدولة المصرية أعدت القانون رﻗﻢ 80 ﻟﺴﻨﺔ 2002 لمكافحة ﻏﺴيل اﻷﻣﻮال اﻟﻤﻌﺪل ﺑﺎﻟﻘﺎﻧﻮن رﻗﻢ 78 ﻟﺴﻨﺔ 2003 ورقم 17 لسنة 2020، ووضعت عقوبات مشددة تتمثل في اﻟﺴﺠﻦ ﻣﺪة ﻻ تتجاوز ﺳﺒﻊ ﺳﻨﻮات وﺑﻐﺮاﻣﺔ تعادل مثلي اﻷﻣﻮال ﻣﺤﻞ الجريمة بحق كل ﻣﻦ ارﺗﻜﺐ أو ﺷﺮع في ارﺗﻜﺎب ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻏﺴيل اﻷﻣﻮال، وﻳﺤﻜﻢ في ﺟﻤﻴﻊ اﻷﺣﻮال ﺑﻤﺼﺎدرة اﻷﻣﻮال اﻟﻤﻀﺒﻮﻃﺔ، أو ﺑﻐﺮاﻣﺔ إﺿﺎﻓﻴﺔ ﺗﻌﺎدل ﻗﻴﻤﺘﻬﺎ في ﺣﺎﻟﺔ ﺗﻌﺬر ﺿﺒﻄﻬﺎ أو في ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺘﺼﺮف ﻓﻴﻬﺎ إﻟﻰ ﻐﻴﺮ الحسن اﻟﻨﻴﺔ.
التلاعب بالتجارة الإلكترونية
من جانبه، يقول اللواء دكتور عبدالوهاب الراعي المتخصص في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، والمحاضر بالأكاديميات الشرطية المصرية، في تصريحات لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، إن هناك تحديات تواجه جهود مكافحة غسيل الأموال ومنها الحجم الكبير للاقتصاد غير الرسمي، مما يصعب من إجراءات تتبع المعاملات المالية والأساليب المتطورة لشبكات الجريمة المنظمة دولياً.
وكشف أن من بين الأساليب الجديدة في ارتكاب الجريمة، استخدام الشركات والعقود الوهمية، والتلاعب بالتجارة الإلكترونية والتحويلات المالية المعقدة عبر البنوك الإلكترونية والمؤسسات المالية غير المصرفية، موضحاً أن دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبح يمثل عاملاً أساسياً في دعم عمليات تتبع الجريمة وضبط المتهمين.
ــ العربية نت