الأخبار

د. جلال الشورة : الدولة لا تُدار بالأسماء .. لماذا لا تُغيّر ''رسمية'' المؤسسة من طبيعتها القانونية؟

د. جلال الشورة : الدولة لا تُدار بالأسماء .. لماذا لا تُغيّر رسمية المؤسسة من طبيعتها القانونية؟
أخبارنا :  

في كل مرة يُثار فيها النقاش حول طبيعة المؤسسات العامة في الأردن، ينحرف الجدل سريعًا نحو التسمية، وكأن الخلاف لغوي لا قانوني، أو شكلي لا بنيوي. نُفرغ وقتًا وجهدًا في سؤال: هل هي مؤسسة عامة أم مؤسسة عامة رسمية؟ ونتجاهل السؤال الذي تقوم عليه الدولة الحديثة: ما طبيعة هذا الكيان؟ وما مدى خضوعه لسيادة الدولة وقواعد القانون العام؟ فالدول لا تُدار بالألفاظ، بل بالوظائف، ولا تُبنى بالمسميات، بل بالاختصاصات والرقابة والمسؤولية.

مصطلح ''المؤسسة العامة الرسمية'' هو اجتهاد تشريعي أردني، لا خطأ فيه من حيث المبدأ، لكنه تحوّل في الممارسة إلى مصدر التباس، وأحيانًا إلى ملاذ مريح للهروب من الأسئلة الصعبة. فالسؤال الحاسم ليس ماذا سمّينا الكيان، بل ماذا يفعل، ومن أنشأه، ومن يموّله، ومن يعيّن إدارته، وتحت أي قواعد تصدر قراراته. هذه المعايير وحدها هي التي تُنشئ الوصف القانوني الصحيح، وكل ما عداها زينة لفظية لا تصمد أمام قاضٍ إداري واحد.
الأنظمة القانونية الناضجة تجاوزت هذا الجدل منذ زمن. في فرنسا، التي يُستدعى اسمها كثيرًا عند الحديث عن القانون الإداري الأردني، لا وجود أصلًا لمصطلح ''مؤسسة عامة رسمية''، ومع ذلك لم تختلط الأمور. التمييز هناك واضح: إما مؤسسة تُدير مرفقًا عامًا إداريًا وتخضع بالكامل للقانون العام، أو مؤسسة تمارس نشاطًا اقتصاديًا وتُدار بمنطق مختلف، مع بقاء الدولة حاضرة في التأسيس والغاية. الاسم لا يمنح حصانة، ولا يُخرج كيانًا من عباءة الدولة إذا كانت الدولة هي من أنشأته وتموّله وتحدد مساره.

المشهد ذاته يتكرر في مصر وألمانيا وبريطانيا، مع اختلاف اللغة القانونية لا أكثر. لا يُسمح لكيان أُنشئ بقانون، ويؤدي وظيفة عامة، ويؤثر في حقوق الأفراد، أن يدّعي استقلالًا شكليًا لمجرد أن اسمه يوحي بذلك. الرقابة ليست خيارًا سياسيًا ولا مجاملة إدارية، بل نتيجة طبيعية لوجود المال العام والسلطة العامة.

فليس من المنطقي أن تُدار جامعةٌ رسمية تقليدية بقواعد القانون العام كاملة، بينما يُتعامل مع جامعةٍ أخرى أُنشئت بقانون، وتُموَّل من المال العام، وتُدير مرفقًا تعليميًا وطنيًا، على أنها كيان مختلف قانونيًا، لمجرد اختلاف الصيغة التنظيمية أو وصف الاستقلال.
الخطر الحقيقي يبدأ حين يُستعمل المصطلح لتضليل النقاش العام، فيُقال إن جهة ما ''غير رسمية'' وبالتالي لا تنطبق عليها قواعد معينة، أو لا تُسأل الدولة عن قراراتها، أو لا يخضع عملها للرقابة ذاتها. هذا منطق مقلوب، لأن الاستقلال في القانون العام حالة استثنائية تُفسَّر تفسيرًا ضيقًا، ولا تُفترض لمجرد الرغبة. كل كيان يمارس سلطة، أو يدير مرفقًا عامًا، أو يتصرف في مال عام، هو في قلب الدولة لا على هامشها، مهما حاولنا تخفيف الوصف أو تلطيف الاسم.

الخلاصة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن التمييز بين ''مؤسسة عامة '' و ''مؤسسة عامة رسمية'' في الأردن لا يُنشئ بذاته فارقًا في الطبيعة القانونية، بل يعكس درجات مختلفة من التنظيم الإداري. من يظن أن حذف كلمة أو إضافتها يُغيّر من جوهر الخضوع للقانون العام، لا يسيء الفهم فقط، بل يفتح الباب لفوضى مؤسسية تمس الثقة بالدولة ذاتها. الدول الجادة لا تُبنى بالتحايل اللفظي، بل بالوضوح القانوني، ومن يخلط بين الاسم والوظيفة لا يربك النقاش فحسب، بل يربك فكرة الدولة من أساسها.

مواضيع قد تهمك