عائشة الرازم : شعب يا وحدنا وحدنا !
عائشة الخواجا الرازم :
شعب فلسطين بأجمعه لن يترك هويته ، ولن يترك أصله وفصله وذاكرة تراب لحمه ودمه .
لن ينسلخ أمل شعب فلسطين عن الإعداد للعودة .
إني مؤمنة بأن كل نفس فلسطينية ترى بوصلة الزمن ترسم مسيرتها باتجاه فلسطين .
صحيح بأن الزمن يتلون للسراق والقتلة ، ويجذب القلوب والأبصار القريبة الخاشعة التي ترهقها ذلة واستكانة من الأهلين .
وصحيح بأن الطرف الآخر الغاشم الحرامي قائم على إرعاب الأعراب وإرعاب العالم بجرائمه ، وقفزه عن قوانين الحدود البشرية ، وصحيح بأن كل قوي في العالم يسعى للحفاظ على قوته بدعم قوة الطغيان والوحشية حتى يحتاط ضد دراككيولا ، فتصبح القوتان للداعم والمدعوم شرا مروعا في الزمان .
وصحيح بأن الشر المروع المندمج ضد العدل والحق يراهن على نسيان أهل الحق لنفاذ الحق . ومع أن مبدأ انتظار تلاشي الذاكرة والرهان على فتورها لدى شعب الجبارين ، ورهان قوى النهب والسلب يلعب على نرد مرور قطار الزمان وصمت الصفير . وهروب الواقف وسط سكة العودة . إلا أن استراتيجيات هؤلاء اللصوص تجانب نبض الزمن وخفقانه في الانتظار والتمسك بطريق القطار ووجهة المسار ، مالئا محطات السفر بالزغاريد والغناء مرفرفا برمز السواد والبياض بكوفية صارت له عتاد ، مرفرفا أمام القاصي والداني ، أمام العدو اللدود والقريب المردود حتى وهو حامل للشهداء . لأن الهروب حرام ، والخروج حرام ، والأفول من النار محاصر بنار ، وأضحت حياة شعب الجبارين رهينة التاريخ وفانوس الزمن ، مثل حجر لعبة النرد ( الزهر ) فهي نفقان أحدهما أسود والآخر أبيض ، فالنفق الملوم عليه وهو النفق الأبيض والنفق اللائم عليه وهو النفق الأسود .
والنفقان هما طريق شعب فلسطين . لا لون ثالث لهما . يحمل متاعه فتطيح به الرياح ، ويمضي عنه قطار المساء والصباح وما يمل الصلاة على أرواح أحبته قبل الفجر وانبلاج الصباح . لا يسمع له بكاء ولا صياح ولا عويل بقدر ما يغني .
لا يهمه قول المسافرين المتمتعين بأغاريده حينما يقولون : مجروح ويغني فذاك مجنون .
فإن بكى قيل ويله بكى ، وإن غرد وزغرد قيل ويله استمرأ العذاب وأدمنه ويطلب الموت .
وما بشارة التاريخ بأعرق وأحدث وأجمل ما أنتجته أنامل النسيج ملابس للرأس . إلا أكبر برهان على قدر اللونين الحزينين ، الحزن الأبيض والحزن الأسود !
لذلك يجلس العالم يراقب نكهة الزمن . فالزمن هو الرهان الأوحد على مساندة شعب فلسطين والكل في غياب عنه .
ولهذا أدرك الفلسطيني أنه يخلق ملهاته بنفسه حينما تغرد الكوفية السوداء والبيضاء على هامته . ويرفعها على شمس الحياة ، أسود وأبيض ولكنه في نفس الوقت مرهون للخطر والدم ، مودعاً أحباءه وراشا ً عليهم تراب الأرض التي يرويها بدمه فلا يمل الابتكار والغناء ولا يمل إطلاق الزغا ريد أبداً . فلا بديل سوى المأساة ( الملهاة ) وليس أبلغ من أغنيته الدائمة ( الخضراء ) التي تغنيها كل نساء فلسطين وهن يحاولن إضافة لون مخضر عسى الله يرسل الحياة من علمه لشعب حياته وقدره أسود أبيض :
( والله لازرعك في الدار ياعود اللوز الأخضر . واروي هالأرض بدمي تتنور فيها وتكبر.
إذن لا مجال غير الأرض العنوة والغنوة !
فهل صحيح أن شعب فلسطين يحتاج لتبرير زغاريده وأغانيه في الملمات والدماء ؟
فكيف يبرر زغاريده وهو الذي أدمن الأسود والأبيض ؟
وهو يدرك أن حياته عبارة عن حجر النرد الأسود والأبيض ، وهذا حجر الزهر هو علاقة الزمن بالحجر . فالأبيض نهاره والأسود ليله . وليله ونهاره متداوران عليه . والزمن فقط رهانه الأول والأخير وليس أبلغ من حجر الصبر والقوة لو تأملنا بمعنى حجر الزهر ، والزمن المرسوم بالإنتظار .
إنه شعب فلسطين اللاعب بحجر الزهر أسود أبيض وسلاحه الزمن حامل النصر
المتلفع بين بين الحجرين الألم والأمل مطربا محطات قطارات العودة بيا
وحدنايا وحدنا . ــ الدستور